راي

بولس والدويلة ومخطط نقل الحرب من الداخل للخارج

بولس والدويلة ومخطط نقل الحرب من الداخل للخارج

كتب/ عصام دقداق
منذ اندلاع التمرد في أبريل 2023، لم تعد المعركة في نظري مجرد تمرد داخلي ضد الدولة، فقد أصبحت الحرب ساحة مفتوحة لتدخلات إقليمية ودولية، وتداخلت فيها المصالح والتحالفات وشبكات التمويل والتسليح والتدريب، وأصبح واضحاً أن استهداف الوطن لم يعد يسير في اتجاه واحد، وإنما يتجدد كلما فشل مخطط.
أنا لا أكتب هذا المقال باعتباره تقريراً سياسياً، ولا أريد أن أختبئ خلف عبارات دبلوماسية فضفاضة من قبيل «جهات خارجية» و«أطراف إقليمية». فالمشهد أصبح يستحق أن نضع الأسماء في أماكنها، وأن نتحدث بوضوح عن الأدوار التي باتت معروفة في هذه الحرب.
الإمارات، تشاد،اثيوبيا، ال دقلو، الولايات المتحدة ومسعد بولس؛ كلها أسماء أصبحت حاضرة بقوة في المشهد ، وكل منها يرتبط بملفات وتطورات لا يمكن تجاهلها.
أما الدور الإماراتي في الحرب السودانية، فقد تجاوز بالنسبة لي مرحلة الاتهام السياسي العابر. لقد أصبح ملفاً حاضراً في تقارير وتحقيقات دولية متعددة تحدثت عن الدعم والتمويل والتسليح والإمداد لقوات التمرد، وعن شبكات تمتد عبر دول الجوار. ومع أن أبوظبي تنفي تقديم دعم عسكري للدعم السريع، فإن حجم ما نُشر حول هذا الملف خلال أكثر من ثلاثة أعوام جعل الدور الإماراتي واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل في الحرب.
لكن ما يثير غضبي بصورة أكبر هو ما يتعلق بتشاد.
فالسودان وتشاد ليسا دولتين بعيدتين عن بعضهما؛ إنهما شعبان متداخلان، تجمعهما الحدود والقبائل والتاريخ والمصالح الاجتماعية والاقتصادية. ولذلك فإن تحويل الأراضي التشادية إلى ممر للسلاح والمقاتلين والوقود باتجاه السودان يمثل، في نظري، خطراً يتجاوز الخلافات السياسية العابرة.
لقد تحدث فريق خبراء الأمم المتحدة في وقت سابق عن معلومات ذات مصداقية بشأن وصول شحنات أسلحة وذخائر إلى مطار أم جرس ثم نقلها براً باتجاه دارفور، كما استمرت خلال السنوات التالية تقارير دولية وبحثية في الحديث عن استخدام الأراضي التشادية ضمن مسارات إمداد مرتبطة بالحرب.
وهنا لا بد من الحديث بصراحة عن التاريخ.
السودانيون يعرفون جيداً تجربة الرئيس التشادي الراحل **إدريس ديبي إتنو** وعلاقة تشاد المعقدة بالحرب في دارفور، ويعرفون كيف ظلت الحدود الغربية لسنوات طويلة جزءاً من الحسابات العسكرية والسياسية للصراع السوداني التشادي.
ولهذا فإن إعادة إنتاج التجربة نفسها في هذه اللحظة ستكون خطأً تاريخياً واستراتيجياً بالغ الخطورة.
إنني أحذر القيادة التشادية بوضوح من الاستمرار في أي سياسة تسمح باستخدام الأراضي التشادية لإسناد قوات التمرد أو نقل السلاح والوقود والمقاتلين إلى داخل السودان. فالسودان قد تحمل كثيراً خلال السنوات الماضية، وضبط النفس السوداني لا ينبغي أن يُفسر على أنه ضعف أو عجز أو قبول بالأمر الواقع ولديهم تجربة سابقة في ردة الفعل للحكومة السودانية آنذاك .
لتشاد كامل الحق في حماية حدودها وسيادتها، وهذا أمر لا ينازعها فيه أحد، لكن السودان أيضاً دولة ذات سيادة، وله الحق الكامل في حماية أمنه القومي وحدوده وشعبه ومؤسساته.
ولا يمكن أن تكون الأراضي التشادية عمقاً لوجستياً لمليشيا تحارب الدولة السودانية، ثم يُطلب من الخرطوم أن تلتزم الصمت عندما تتحرك لحماية أمنها.
والأخطر من ذلك أن تتحول الحدود السودانية التشادية إلى شرارة مواجهة مباشرة بين دولتين جارتين.

فأنا لا أريد حرباً بين السودان وتشاد، ولا أعتقد أن الشعب التشادي يريدها، لكنني في الوقت نفسه أرى أن على القيادة التشادية أن تقرأ التاريخ جيداً قبل أن تدفع العلاقات بين البلدين إلى نقطة يصعب الرجوع منها.
لا تجعلوا تشاد طرفاً في حرب السودان، ولا تجعلوا حدودها منصة للحرب على السودان، ولا تراهنوا على أن صبر السودان بلا حدود.
فالسودان يستطيع أن يتحمل الكثير من أجل السلام، لكنه عندما يتعلق الأمر بسيادته وأمنه القومي فإن الحسابات تصبح مختلفة تماماً.
ومن يعتقد أن السودان منشغل بحربه الداخلية إلى درجة تمنعه من حماية حدوده، عليه أن يعيد حساباته جيداً.
السودان لا يبحث عن مواجهة مع تشاد، لكنه لن يقبل أن تتحول تشاد إلى بوابة للحرب عليه.
وفي المقابل، فإن أكثر ما يثير الاستغراب في المشهد الحالي هو التحرك الأمريكي الأخير.
فقد اتصل مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، معبراً عن القلق من الضربات التي امتدت إلى محيط الحدود التشادية.
ما يثير الاستغراب هو أن هذا القلق الأمريكي ظهر بهذه السرعة عندما وصلت تداعيات الحرب إلى الحدود التشادية، بينما لم نشهد القلق نفسه تجاه ما ظل السودان يتحدث عنه طوال أكثر من ثلاثة أعوام من تدفق السلاح والمقاتلين والإمدادات عبر الحدود من تشاد إلى مناطق القتال في تدخل سافر.
أين كان القلق الأمريكي عندما كانت المدن السودانية تتعرض للهجمات؟
أين كان القلق من الطائرات المسيّرة التي وصلت إلى منشآت سودانية انطلاقا من تشاد؟
أين كان الاهتمام الأمريكي بشبكات التسليح والتمويل والتدريب التي ساهمت في إطالة الحرب من داخل تشاد؟
إذا كانت الولايات المتحدة تريد فعلاً منع تمدد الحرب إلى دول الجوار، فإن عليها أن تبدأ من منابع الحرب، لا من نتائجها فقط.
فمن يريد حماية تشاد من امتداد الحرب عليه أن يعمل أيضاً على وقف السلاح الذي يدخل السودان عبر تشاد، ومنع تدريب المقاتلين، وتجفيف مصادر التمويل، وإغلاق طرق الإمداد.
أما مراقبة الضربة عندما تقع قرب الحدود، وتجاهل الطريق الذي وصلت عبره الأسلحة والمقاتلون إلى السودان، فهي بالنسبة لي صورة أخرى من صور ازدواجية المعايير.
لقد أصبح السودانيون أكثر وعياً بهذه التفاصيل، ولم تعد البيانات الدبلوماسية قادرة على إخفاء الصورة كاملة.
والحرب لم تعد محصورة في السودان وحده.
فقد ظهرت تقارير عن مسارات تمتد عبر تشاد وليبيا وإثيوبيا ودول أخرى، وعن معسكرات تدريب وشبكات تجنيد وإمداد للمقاتلين، بما يؤكد أن قوات التمرد لم تعد تعتمد فقط على ما هو موجود داخل السودان.
وفي فبراير 2026، تحدث تحقيق لرويترز عن معسكر تدريب في إثيوبيا قالت مصادر إنه أُنشئ لتدريب آلاف المقاتلين من الدعم السريع، مع اتهامات بتمويل إماراتي. كما تحدثت تقارير حقوقية وصحفية عن انتقال مقاتلين أجانب إلى السودان وتلقيهم التدريب قبل دخولهم إلى ساحات القتال.
أنا لا أتعامل مع كل تقرير باعتباره حكماً قضائياً نهائياً، لكن تراكم التقارير والتحقيقات يجعل من الصعب جداً اختزال الحرب السودانية في خلاف داخلي لا علاقة للخارج به.
هناك سلاح يأتي من الخارج.
وهناك تمويل يأتي من الخارج.
وهناك مقاتلون يأتي بعضهم من خارج السودان.
وهناك طرق ومطارات وحدود دخلت في حسابات الحرب.
وهناك عواصم تمارس نفوذها السياسي على مسار الأزمة.
ثم يُطلب من السودان وحده ضبط النفس!
إن المجتمع الدولي إذا كان جاداً في إنهاء الحرب السودانية، فعليه أن يجفف منابعها، وأن يحاسب كل من يثبت تورطه في تمويل وتسليح المليشا ،
أما مجلس الأمن، فقد أصبح في نظر كثير من السودانيين مؤسسة تكثر فيها البيانات وتقل فيها الإجراءات الفعالة.
البيانات لا توقف الطائرات المسيّرة.
والإدانات لا تغلق طرق الإمداد.
والدعوات إلى ضبط النفس لا تمنع وصول السلاح.
والسلام لا يمكن أن يتحقق بينما تظل الأبواب مفتوحة أمام من يريد استمرار الحرب.
لقد أصبحت المعركة السودانية في نظري أكبر من السيطرة على مدينة أو ولاية أو طريق. إنها معركة على القرار الوطني السوداني

السودان لا يريد أن يكون تابعاً للإمارات، ولا لأمريكا، ، ولا لأي محور إقليمي أو دولي.
والشعب السوداني الذي تحمل أكثر من ثلاثة أعوام من القتل والنزوح والدمار أصبح أكثر وعياً بمن يقف خلف الحرب، ومن يمولها، ومن يسلحها، ومن يوفر لها الغطاء السياسي.
ولهذا تغيرت صورة الولايات المتحدة في الوعي السوداني بصورة مؤلمة.
الدولة التي تقدم نفسها للعالم باعتبارها راعية للسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، أصبحت مواقفها تجاه السودان موضع شك واسع، خصوصاً عندما يرى السودانيون تحركاً أمريكياً سريعاً في ملف، بينما لا يرون القوة نفسها في ملفات التدخل الخارجي التي ظل السودان يطرحها طوال سنوات الحرب.
وأنا لا أقول إن الولايات المتحدة مسؤولة وحدها عن كل ما يحدث في السودان، لكنني أقول إن واشنطن تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية في أن تكون مواقفها متوازنة، وأن تتعامل مع جميع مصادر الحرب بالمعيار نفسه.
إذا كانت أمريكا تريد فعلاً أن تكون راعياً للسلام في السودان، فعليها أن تضغط على كل من يمول التمرد، وكل من يسهل وصول السلاح، وكل من يوفر التدريب والمقاتلين، لا أن تتحول الوساطة إلى ضغط على طرف واحد.
والسودانيون لن ينسوا هذه السنوات.
لن ينسوا من وقف معهم، ولن ينسوا من وقف ضدهم، ولن ينسوا من صمت، ولن ينسوا من تحدث عن السلام بينما كانت أبواب الحرب مفتوحة.
وأقولها هنا بوضوح: السودان لا يريد حرباً مع تشاد، ولا يريد حرباً مع أي دولة من دول الجوار، لكنه أيضاً لن يقبل أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.
لن يقبل أن تتحول الحدود إلى ممر دائم للسلاح والمقاتلين.
ولن يقبل أن يصبح مطار أم جرس أو غيره من الممرات الحدودية جزءاً من منظومة إمداد تستخدم لإطالة التمرد في السودان.

ولن يقبل أن تتحول الحدود إلى منطقة آمنة للمتمردين عندما يفرون من أمام الجيش السوداني.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الخارج بالسودان ليس أن يهزمه عسكرياً، وإنما أن ينجح في تفكيك قراره الوطني وتحويله إلى قرار تصنعه العواصم الأخرى.
لكن السودان، رغم كل ما أصابه، لا يزال قائماً.
وشعبه لا يزال صامداً.
ودولته لا تزال موجودة.
ومهما تغيرت الخطط وتبدلت الواجهات وتعددت أدوات الحرب، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن السودان ليس أرضاً بلا شعب، وليس وطناً بلا ذاكرة، وليس دولة يمكن إعادة تشكيلها وفق رغبة الخارج
لقد فشلت خطط كثيرة، وستفشل خطط أخرى.
وقد تتغير أدوات التآمر، وقد تنتقل المعركة من جبهة إلى أخرى، وقد تتحول من السلاح إلى السياسة، ومن السياسة إلى الحدود، ومن الحدود إلى الضغط الدولي.
لكن الرسالة ستظل واضحة:
كلما تغيرت الخطط.. بقي السودان.
وكلما تعددت المؤامرات.. بقي الشعب.
وكلما امتدت أيادي الخارج.. بقي القرار السوداني عصياً على الابتلاع
والسلام الذي يريده السودانيون ليس سلاماً يُكتب في أبوظبي أو واشنطن أو نجامينا، ولا صفقة تفرض على السودانيين من الخارج.
إنه سلام سوداني يحفظ وحدة السودان وسيادته وكرامة شعبه.
اتركوا السودان للسودانيين.. وأوقفوا الحرب من منابعها، لا من نتائجها فقط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى