رمضان… موسمُ التنافس في ميادين الطاعة

رمضان… موسمُ التنافس في ميادين الطاعة
بقلم / عبد الله احمد محمد دفع الله
يحلّ علينا شهر رمضان ضيفًا كريماً على قلوب المؤمنين، لا بوصفه شهر صيام فحسب، بل بوصفه موسماً ربانياً للتنافس في الخيرات، وميادين سباقٍ مفتوحةٍ لكل من أراد القرب من الله عز وجل.
في هذا الشهر تتجلّى معاني الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وينطلق النداء العلوي في الأسحار: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر؛ نداء يهزّ القلوب الغافلة، ويستفزّ الهمم النائمة لتنهض من رقادها.
رمضان… امتحان حقيقي للنفس
يقول الله سبحانه وتعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنفِسُونَ) (المطففين: ٢٦) فيشير إلى أن ميدان الفضل ليس الدنيا وزخارفها، بل ميادين الطاعة والقرب من الله. وفي رمضان تتصفّد الشياطين، وتُغلّ مردة الجن، فلا يبقى للإنسان إلا نفسه التي بين جنبيه.، إما أن تقوده إلى برّ النجاة، أو تدفعه إلى تيه الشهوات والأهواء. هنا يسقط عنّا العذر السهل: (ابليس غشَّاني) (الشيطان أغواني) وتنكشف حقيقة علاقتنا مع ربنا؛ فإذا أصرّت النفس على المعصية في زمن الصفاء، دلّ ذلك على أن الداء كامِن فيها، وأنها بحاجة صادقة إلى تربية ومجاهدة. أما إذا أقبلت على الطاعة، ووجدت حلاوة القرب، فقد آن أوان صلاحها واستقامتها. من ذاق لذة الطاعة عرف قيمتها
لرمضان مشهد خاص لا يشبهه شيء: لحظة الأذان عند الغروب. حينها تجتمع معاني الرضا في قلب الصائم؛ فقد صبر ساعات طويلة، وامتنع عن الحلال طاعةً لربه، فيأتي وقت الفطر فرحةً بوعد الله، لا فرحةَ شهوةٍ فحسب.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن للصائم فرحتين، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه؛ فرحة الدنيا إشعار بلذة الطاعة، وفرحة الآخرة تمام الجزاء وبلوغ الرضوان. ومن ذاق عرف؛ فكل من جرب قيام الليل بخشوع، أو ختمة قرآن بتدبر، أو صدقة خالصة لا يعلم بها إلا الله، يدرك أن لذة الإيمان أعمق وأثبت من كل متع الدنيا الزائلة.
*الفرح الحقيقي… ليس في المال والمتاع*
الناس في الغالب يفرحون بما يملكون؛ بمال وفير، أو بيت فخم، أو مكانة اجتماعية لامعة. لكن القرآن يعيد تعريف الفرح عندما يقول: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)(يونس: ٥٨) أي أن الفرح الأعظم هو في هبة الهداية، وفي نور الإيمان، وفي التوفيق للطاعة .
من يزور بيت عزاء يرى بأم عينه حقيقة الدنيا: إنسان عاش عمراً طويلاً، أحاط نفسه بالأثاث الفاخر والمقتنيات الثمينة، لكنه خرج منها بكفن لا يحمل جيباً واحداً. كل شيء بقي خلفه: البيت، والسيارة، والحساب البنكي، وبقي معه فقط عمله؛ صلاة، صيام، صدقة، خلق حسن، وذكر لله. عندها يدرك العاقل أن أعظم ما يجمعه في حياته هو رصيد الطاعات، لا رصيد الأرصدة.
أسئلة صادقة مع النفس إذا كان رمضان ميدانًا للتنافس، فلابد من وقفة صادقة مع النفس:ما نصيبك من القرآن في هذا الشهر؟ كم ختمة أتممت، وكم آية تدبرت؟ ما نصيبك من الصدقة، ولو بالقليل الدائم؟ما نصيبك من صلة الرحم وإصلاح ذات البين والتسامح مع من أساء إليك؟ ما نصيبك من صلاة الليل، ومن دمعة خاشعة في جوف السحر؟ هذه الأسئلة ليست للتأنيب بقدر ما هي دعوة للتدارك؛ فما زالت أبواب الرحمة مفتوحة، وما زال في رمضان بقية أيام وليالٍ يمكن أن تُغيّر مصيراً وتُكتب بها نهاية مختلفة لعامٍ كامل وربما لعمر كامل.
كل يوم أفضل من سابقه ومن علامات التوفيق في رمضان أن يكون يومك خيراً من أمسك، وغدك خيراً من يومك؛ فمن بقيت عبادته ثابتة لا تزيد، أو بدأت تتراجع، فليخشَ أن يكون قد حُرم من بركات هذا الشهر.
الفائز الحقيقي هو من يتدرج في مدارج الطاعة؛ يبدأ بصيام الجوارح عن الحرام، ثم يرتقي إلى صيام القلب عن سوء الظن والحقد، ثم يبلغ صيام الروح عن كل ما يقطعها عن الله عز وجلّ. (من ذاق عرف، ومن عرف اغترف) فكل يومٍ تجد فيه لذة الطاعة، يدفعك تلقائياً إلى أن تستزيد منها في اليوم الذي يليه، حتى تصبح الطاعة عادة، ثم متعة، ثم حياة لا يُتصوّر تركها.
رمضان… ضيف كريم، ضيف يمكث قليلاً، لا يطيل المقام؛ يأتي أيّاماً معدودات ثم يرحل، لكنه لا يرحل خالي اليدين. يرحل وهو حامل أعمالنا، شاكراً أو شاكياً: يشهد لفلان بأنه كان من أهل القيام والقرآن، ويشهد على آخر بأنه استقبل رمضان كما استقبل غيره من الشهور، لا فرق بين ليله ونهاره إلا في عدد موائد الطعام. فلنحرص أن يكون رمضان شاهداً لنا لا علينا، وأن يحمل إلى ربنا صحائف بيضاء ناصعة بذكرٍ وقرآنٍ وصدقةٍ ودعاءٍ وصلة رحمٍ وإحسانٍ للخلق جميعًا.
اللهم اجعل رمضان حجةً لنا لا علينا، ووفقنا للتوبة الصادقة، والقلوب الخاشعة، والأعمال الصالحة. اللهم ارزقنا لذة الإيمان، وحلاوة القرب، وتمام العتق من النيران.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



