النيابة العامة بعد الحرب… بين قدسية العدالة وخطر الانحراف

النيابة العامة بعد الحرب… بين قدسية العدالة
وخطر الانحراف .
……………………………
كتب / عبد الشكور حسن أحمد المحامي
تمر البلاد بمرحلة حرجة دقيقة لا تحتمل المجاملة والمماطلة ولا تحتمل ضعف المؤسسات العدلية، لأن الدولة الخارجة من الحرب لا يعيد بناءها السلاح وحده، وإنما يعيد بناءها العدل.
الناس تصبر حتما على الفقر والفاقة ، و تتحمل ضيق المعيشة وشظف العيش والكفاف، لكنها لا تحتمل الإحساس بالظلم والهوان ، لأن الظلم يهدم الثقة بين المواطن والدولة، ويحوّل القانون من وسيلة حماية إلى أداة خوف وانتقام وتكسب ومتاجرة بالوظيفة.
الظلم يولد ضغائن فى النفوس
وفي مقدمة المؤسسات التي يقع عليها عبء استعادة الثقة تأتي النيابة العامة، باعتبارها البوابة الأولى للعدالة، والجهة التي تتحكم في مصير البلاغ منذ لحظة فتحه وحتى إحالته للمحكمة أو شطبه المبرر. ولهذا فإن أي انحراف او انجراف داخل مؤسسة النيابة لا يُنظر إليه كخطأ عادي، بل كخلل يمس صميم العدالة نفسها.
ويصيب الامة بالهوان لان العدل اساس الملك او اساس الحكم
إن أخطر ما يثير الإحساس بالظلم أن يتدخل وكيل نيابة في ملف لايعنيه ولا يدخل ضمن اختصاصه أو لا تربطه به صلة قانونية، فيصدر توجيهات أو يمارس نفوذاً يؤثر على مجريات التحري.
القانون لم يجعل سلطة وكيل النيابة سلطة مطلقة، قيدها بالاختصاص وبالحياد وباحترام الإجراءات.وبالتدرج الوظيفى
عندما يتحول التدخل إلى ممارسة شخصية أو إلى تصفية حسابات أو مجاملة لأطراف نافذة، فإن العدالة تفقد معناها الحقيقي وتصير خيال مآتى .
ومن مظاهر القلق أن تتطابق القرارات بصورة آلية من وكيل النيابة الأدنى إلى رئيس النيابة الأعلى دون مراجعة حقيقية أو تقييم مستقل للبينات. الأصل في درجات الإشراف أن تكون وسيلة للتصحيح والمراجعة، لا مجرد ختم إداري يكرر القرار السابق.
العدالة لا تقوم على النسخ واللصق المتطابق، وإنما تقوم على الفحص والتكييف القانوني السليم والقدرة على اكتشاف الخطأ قبل أن يتحول إلى مأساة إنسانية أو ظلم قضائي يجعل الحسرة فى القلوب.
وفي كثير من الأحيان يشعر المتقاضي بأن الملف قد حُسم مسبقاً، وأن الرأي الأعلى ليس إلا تكراراً لرأي الأدنى، دون دراسة جادة للتفخيص أو تمحيص للمستندات أو بحث عن الحقيقة. وهنا تتولد أخطر المشاعر داخل المجتمع، وهو الشعور بأن العدالة ليست محايدة، وأن المواطن الضعيف لا يجد من يسمعه داخل المؤسسة التي يفترض أنها حامية للحقوق والحريات.
كما أن انتقال بعض شاغلي المناصب العليا في النيابة العامة إلى ممارسة المحاماة مباشرة بعد ترك مواقعهم يفتح باب التساؤلات والشكوك داخل الرأي العام، خاصة عندما تكون هناك ملفات سابقة أو علاقات مهنية معقدة.
وكان هو رئيس لهم لايستقيم العود…
صحيح أن العمل بالمحاماة حق مشروع، لكن المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد تتطلب وضع ضوابط أخلاقية ومهنية تمنع تضارب المصالح وتحافظ على هيبة العدالة وثقة الناس فيها.واصحاب المناصب العليا فى النيابة احق بالبعد عن الشبهات..
كما تاخير القرارات ووجود اشخاص بالحبس لمدة تجاوز العام انها مخالفة لأبسط حقوق الانسان والاخلاق
إن النيابة العامة بعد الحرب مطالبة بأن تكون أكثر قرباً من القانون وأبعد عن النفوذ والشلليات والعلاقات الخاصة. الدولة الرشيدة التي تريد بناء السلام لا يمكن أن تبنيه بنيابة ضعيفة أو خاضعة للتأثيرات. المطلوب اليوم قبل الغد نيابة مستقلة، جريئة، شفافة، لا تخشى أصحاب النفوذ، ولا تستغل سلطتها ضد الضعفاء.
فالعدالة ليست شعارات تُرفع، وإنما سلوك يومي يبدأ من مكتب وكيل النيابة، ومن احترامه للقانون، ومن قدرته على قول كلمة الحق دون خوف أو مجاملةأو تاخير او تأجيل .
إذا لم يشعر المواطن بأن النيابة العامة تقف على مسافة واحدة من الجميع، فإن الحرب قد تتوقف عسكرياً، لكنها ستظل مشتعلة داخل النفوس تتأجج ونيرانها مشتعلة ….
ولنا عودة
والله المستعان




