المهلكات الثلاث..!

ثلاث مهلكات تهوي بصاحبها: نداء نبوي لإصلاح النفوس
كتب / عبد الله احمد محمد دفع الله
في غمار رحلتنا الدنيوية، نبحث جميعاً عن طريق النجاة والفلاح، ونسعى جاهدين لتجنب مسالك الهلاك والضياع. ولقد خُصّ نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، ومنارات الهدى التي ترشدنا إلى الصراط المستقيم وتحذرنا من مزالق الردى. ومن بين هذه الجواهر النبوية، يتلألأ حديث عظيم يصف لنا ثلاث مهلكات، يغرق فيها من أطاعها، ويهلك من اتبعها. هذه المهلكات ليست مجرد صفات ذميمة، بل هي أمراض قلبية وعلل نفسية إذا استشرت في الإنسان أوردته موارد الهلاك في الدنيا والآخرة.
يتحدث أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: َشُحٌّ مُطَاعٌ، وهَوىً مُتَّبَعٌ، وإِعْجَابُ المَرْءِ بِنفسِهِ). رواه البزار وغيره. كلمات قليلة، لكنها تحمل في طياتها تحذيراً بليغاً وموعظة عميقة لكل مؤمن فطن يطلب النجاة.
. شُحٌّ مُطَاع:
لا غرابة في حب المال والرغبة في تكثيره، فطر الله الإنسان على ذلك، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] . المال في جوهره وسيلة لتحقيق الكثير من شؤون الحياة، من إعالة الأهل، وتلبية الحاجات، إلى الإنفاق في سبيل الله وإقامة المشاريع الخيرية. ولكن المذموم، والذي يتحول إلى هلاك، هو أن يصبح تكثير المال غاية بحد ذاته، فيتحول حب الخير إلى شُحٍّ مُطَاعٍ.
عندما يسيطر الشح على النفس، ويصبح البخل طبعاً يُطاع ويُنفّذ، يتحايل صاحبه في سبيل تحصيل المال، ويتجنب إنفاقه حتى على أهله ونفسه. يصبح المال سجناً له، يحرم نفسه من الانتفاع به، ويحرم من تلزمه نفقته من حقه. هذا الشح القاتل لا يدفع بصاحبه إلى الهلاك الدنيوي فحسب، إذ يعيش حياة شقاء وحرمان رغم وفرة ما يملك، بل يعرضه للهلاك الأخروي وعظيم العقاب، فكم من شحيح حُرم بركة ماله وخير الدنيا والآخرة بسبب طاعته لهذا الداء المهلك.
*٢. هوى مُتَّبَع:*
إذا كان الإنسان سائراً مع هواه أينما ذهب، فكلما عرضت له شهوة ممكنة فعلها، وكلما لاح له داعٍ من دواعي الرغبات استجاب له، فإنه يصير بذلك أبعد ما يكون عن إنسانيته وأقرب إلى الحيوانية الغريزية التي لا تنضبط بالعقل الواعي وحدود التكليف الرباني الحكيم. هذه الكلمات ترسم صورة مؤلمة لمن اتبع هواه، فضلّ عن سبيل ربه.
لقد أكد القرآن الكريم خطورة اتباع الهوى في قوله تعالى: (وَلا تَتّبِعِ الْهَوَى فَيضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ). [ص: ٢٦]. العقل هو مناط التكليف وسبب التفضيل، فبه يرتفع الإنسان عن غيره من المخلوقات. ولكن حين يسود الهوى، ويُصبح مطاعاً، يتخلى المرء عن عقله وحكمته، ليصبح أسيراً لشهواته ورغباته العابرة. صاحب الهوى لا يجد في نفسه استجابة لأوامر الله وتكاليف دينه؛ لأنها تمثل قيداً لهواه ومنعاً لنفسه من السقوط في ما يفسدها ويضرّها. الهوى المتبع هو طريق الانحراف عن منهج الله، والغرق في مستنقع المعاصي والآثام، وهو بذلك من أكبر المهلكات التي تدفع بصاحبها إلى دركات الهلاك والعياذ بالله.
*٣. إِعْجَابُ المَرْءِ بِنفسِهِ:*
إن الإعجاب بالنفس، أو ما يُعرف بالغرور والكبر، هو آفة مهلكة تقضي على العمل الصالح وتُفسد النوايا. حين يرى المرء نفسه بعين الكمال المطلق، ويغتر بما أوتي من نعمة أو فضل، ويُصوّر له الشيطان أنه أفضل من غيره، وأنه لا يُخطئ، فقد أوشك على السقوط. هذا الإعجاب بالنفس يُعمي صاحبه عن عيوبه، ويُغلق قلبه عن نصح الناصحين، ويُحرمه من التواضع الذي هو أساس كل خير.
الإعجاب بالنفس ليس مجرد شعور بالرضا عن الذات، بل هو شعور يتعدى ذلك إلى استعظام النفس ورؤية أفعالها حسنة وإن كانت قبيحة، واستصغار الآخرين وازدراء جهودهم. وهو ينبع غالباً من جهل الإنسان بحقيقة نفسه ونقصه، وغفلته عن منة الله عليه. وهو من أخطر المهلكات لأنه يقود إلى الكبر، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). راوه مسلم. المؤمن الحقيقي هو من يرى الفضل لله وحده، ويتواضع لربه وخلقه، ويعلم أن كل نعمة هي من عند الله، وأن الإعجاب بالنفس هو أول درجات الإفلاس المعنوي.
*ختاماً:* المؤمن الفطن هو الذي يستضيء بنور الوحي، ويعي جيداً ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم. فلنتقِ هذه المهلكات الثلاث: الشح المطاع، والهوى المتبع، وإعجاب المرء بنفسه. ولنتجرد من هذه الصفات التي لا تورث إلا الشقاء والخسران. لنجعل قلوبنا عامرة بحب الله، وألسنتنا ذاكرة له، وجوارحنا عاملة بطاعته. ولنتذكر دائماً قول الله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ). [البقرة: ١٥٢].
ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد، والنجاة يوم المعاد يا رب العباد. وأصلح الأئمة وولاة الأمر، واغفر لنا يا عزيز يا غفور. اللهم هب لنا رحمة تقضي بها ديوننا، وتكفر بها عنا سيئاتنا، وتتوفانا بها مع الأبرار. أصلح نياتنا وذرياتنا وبيوتنا يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن ترحمنا برحمتك، وأن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. وسع لنا في دورنا وبارك لنا في أرزاقنا، وعافنا في أجسادنا. ارزقنا عمل الصالحات، وفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.




