راي

اللسان..كلمةٌ ترفع.. وأخرى تُهلِك ..!

اللسان..كلمةٌ ترفع.. وأخرى تُهلِك ..!

كتب / عبد الله احمد محمد دفع الله

الحمد لله الذي أنعم على عباده نعماً لا تُعدّ ولا تُحصى، وجعل من بينها نعمة اللسان؛ تلك الآلة الصغيرة التي ترجّحت بها كفّة أقوام، وخفّت بها موازين آخرين. وهل يخفى خطر اللسان على عاقل؟ وهل يجهل أحد أن اللسان بوابة إلى الجنة أو طريق إلى النار؟

*اللسان.. آيةٌ ومنحةٌ إِلَٰهية عظيمة*

في عالمٍ يضجُّ بالضجيج، وتتلاطم فيه أمواج الكلمات، يبقى اللسان سراً عميقاً ومنحةً إِلَٰهية لا تُضاهى. لقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يقولوا التي هي أحسن، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ}. (الإسراء :٥٣) لأن القول الطيب يطفئ نيران الفتن، ويحفظ المحبه، هي دعوة عميقة إلى بناء مجتمع متراحم متماسك، أساسه الكلمة الطيبة التي تبني ولا تهدم، وتصلح ولا تفسد.
لكن للأسف، في كثير من مجالسنا اليوم، أصبح من يتكلم بالحسنى يُستهزأ به، ويُشار إليه بسخرية، وكأن العفّة في القول أصبحت عيباً أو ضعفاً! لقد فقدنا، إلى حد كبير، قيمة الكلمة الصادقة والنقية، وأصبحنا نلهث وراء كل ما يثير الجدل أو يجلب الانتباه، حتى لو كان على حساب الأخلاق والقيم التي جاء بها ديننا الحنيف.

*كلمةٌ واحدةٌ تُصلح، وكلمةٌ تهدم… قوةٌ تفوقُ الخيال!*

إن الكلمة ليست مجرد حروف تُنطق وتتلاشى في الهواء؛ إنها عملٌ، إنها عبادةٌ تُقرّب أو خطيئةٌ تُبعد. بالكلمة يدخل الإنسان الإسلام، وبالكلمة يخرج منه. بالكلمة يُعقد الزواج ويُحل، وبها تُسفك الدماء، وتُشعل الحروب، وتُبنى العلاقات أو تنهار. إنها شرارةٌ تُضيء دروب المحبة، أو حريقٌ يلتهم بذور الود.
قال أحد السلف الصالح، وهو يدرك عمق هذا الخطر: “ما من شيء أحق بطول سجن من لسان”. هذه المقولة تحمل في طياتها حكمة بالغة؛ فاللسان الذي لا يُلجم قد يُورد صاحبه المهالك. فيا من تظن أن القول هيّن، اسمع قول الحبيب صلى الله عليه وسلم، محذرًا ومبشراً: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً، يرفع الله بها الدرجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم”. رواه البخاري. هذا الحديث يرسم لنا صورة واضحة لمدى تأثير الكلمة الواحدة، فهي قد تكون جسراً إلى النعيم الأبدي، أو هوة سحيقة إلى الجحيم.

*عباداتٌ تنهارُ بسبب اللسان.. إفلاسٌ يوم القيامة!*

هل تخيلت يوماً أن سنوات من الطاعة والعبادة قد تتلاشى في لحظة، لا بسبب ذنبٍ ظاهرٍ يراه الناس، بل بسبب زلّة لسان؟ قد يتعب الإنسان في صلاته وصيامه وصدقته، ثم يُفلس يوم القيامة! كيف؟
لقد بيّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم معنى الإفلاس الحقيقي، ليس إفلاس المال والمتاع، بل إفلاس الحسنات. قال صلى الله عليه وسلم: “أتدرون ما المفلس؟” قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: “إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار.” رواه مسلم.
يا لخطورة هذا الأمر! لسانك قد يُفسد عليك حسنات سنوات من العبادة والاجتهاد. سل رجلاً طلق زوجته بسبب كلمة، أو أخًا هجر أخاه، أو صديقًا خاصم صديقه، أو جارًا اعتدى على جاره… ستجد أن الشرارة الأولى كانت كلمة.

كلمة واحدة كافية لتهدم صروحاً من العلاقات، وتُزرع بذور الشقاق والكراهية. ألم يُحذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لمعاذ رضي الله عنه، بعد أن سأله: وهل نُؤاخذ بما نتكلم به؟ فقال: “ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يُكب الناس في النار على وجوههم أوقال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟” رواه أحمد هذه الكلمات النبوية هي بمثابة جرس إنذار لكل من يتهاون في أمر لسانه. إنها حقيقة قاسية، لكنها ضرورية لتنبيه القلوب الغافلة.

*النميمة.. فتنةٌ تمشي على قدمين*

من أخطر أمراض اللسان وأشدها فتكاً بالمجتمعات: النميمة. هذه الآفة التي تُفرّق بين الأحبة، وتُشعل نار العداوة والبغضاء. قال يحيى بن أكثم، مُصورًا خطورتها: “النمامّ شرّ من الساحر، يعمل النمام في ساعة ما لا يعمله الساحر في شهر.” هذه المقولة تضع النميمة في مصاف أشد الشرور، لأنها تخلق واقعاً من الكراهية والنزاع قد يفوق تأثير السحر. وقال أحد الحكماء، مُفصّلاً بينهما: “عمل النمام أشد من عمل الشيطان؛ لأن الشيطان يوسوس، والنمّام يواجه”. النمام لا يكتفي بالوسوسة الخفية، بل ينقل الكلام ويُحرّض ويُؤجج، مُسبباً بذلك دماراً كبيرًا في العلاقات الإنسانية. قارن بين من يُصلح بالكلمة ومن يُفسد بها، تعرف عِظم الفرق بين الصالحين والمفسدين.

*اللسان.. بين النار والجنة.. حقيقةٌ صادمة!*

تتجسد حقيقة تأثير اللسان في قصصٍ تُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. سُئل عن امرأة كثيرة الصلاة والصيام، لكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: “هي في النار.” وسُئل عن أخرى تُقصّر في نوافل العبادة لكنها لا تؤذي أحداً، فقال: “هي في الجنة.” رواه أحمد. هذا الحديث يوضح بشكل جلي أن العبادات وحدها لا تكفي لدخول الجنة إذا لم تُقترن بحسن الخُلُق وسلامة اللسان. إنها دعوةٌ صريحةٌ لنا لنتدبر كيف أن اللسان قد يُحبط العبادات، ويُزهق رصيد الحسنات، ويُلقي بصاحبه في الهلاك، أو يرفعه إلى الدرجات العلا.

*طرقُ إصلاحِ اللسان.. مفتاحُ الاستقامةِ والنجاة*

إصلاح اللسان ليس مستحيلاً، بل هو واجب شرعي وأخلاقي، وله وسائل أربع عظيمة تُعين العبد على استقامته، تُضيء له الطريق نحو النجاة:

*الإيمان الحقيقي*: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت. استحضار أن الله يسمعك، وأن كلامك مكتوب في صحائف أعمالك، وأنك ستُسأل عن كل لفظ يوم القيامة، كفيل بأن يُلزمك الصمت إلا عن خير أو معروف. هذا الإيمان العميق هو الرقيب الذاتي الذي يُهذّب الأقوال والأفعال، ويجعل اللسان في خدمة مرضاة الله.

*المجاهدة*: جاهد نفسك، كما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: “هذا الذي أوردني الموارد”. إذا كان أبو بكر، ذاك الصحابي الجليل الذي عرف بالصدق والتقوى، يخشى من لسانه، فماذا نقول نحن عن ألسنتنا التي قد تكون أقرب إلى الزلل والخوض في الباطل؟ المجاهدة تعني بذل الجهد المستمر لترويض اللسان على الخير، وكفه عن الشر، فهي معركةٌ يوميةٌ تُكسبك النصر على نفسك الأمارة بالسوء.

*التعويد*: عوِّد لسانك على الخير، فإنه يعتاد ما يُدرّب عليه. قالوا في حكمةٍ بالغة: “إن اللسان لما عوّدت معتاد”. فليكن ذكر الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة الطيبة، والبشارة، والدعوة إلى الخير، هي وقود لسانك. لا تُخرجه إلا في ذكرٍ أو خيرٍ أو نُصحٍ صادقٍ، لتصبح الكلمة الطيبة جزءاً لا يتجزأ من طبيعتك.

*المعاقبة*: راقب نفسك، وعاقبها إن زلّت. قال عبد الله بن وهب، مُعلماً لنا درساً في تربية النفس: “كنت إذا اغتبت إنسانًا صمتُ يوماً، ثم استثقلتُ الصيام، فجعلتُها صدقة، فاستثقلت المال، فأقلعت”. هذه طريقة عظيمة لترويض النفس؛ أن تفرض على نفسك عقابًا كلما أخطأ لسانك، فذلك يُعينك على الانضباط ويُكبح جماح اللسان، ويجعلك أكثر وعياً بتبعات كلماتك.

*اللسان.. سلاحٌ ذو حدين*

نُقل عن لقمان الحكيم أنه ذبح شاة، فأمره سيده أن يأتي بأطيب ما فيها، فجاء باللسان والقلب. ثم أمره أن يأتي بأخبثها، فجاء باللسان والقلب. فقال له سيده: كيف ذلك؟ قال: “ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا”. هذه القصة البليغة تلخص جوهر اللسان والقلب؛ فصلاحهما يعني صلاح الإنسان كله، وفسادهما يعني فساده وهلاكه.
فاختر لطريقك لسانًا طيّباً… يقول المعروف، يدعو إلى الله، يُصلح، يُوحد، ويُبشّر. فإنه ما من شيء أطيب منه إذا استقام، ولا أفتك منه إذا انحرف.

*ختامًا.. وقفةُ صدقٍ مع اللسان*

ما أحوجنا إلى وقفة صدق مع أنفسنا، نراجع فيها ألسنتنا قبل أن تكتب علينا خطايانا! قال الإمام الشافعي رحمه الله في أبيات شعرية خالدة، تُحفر في الذاكرة:
احفظ لسانك أيها الإنسانُ
لا يلدغنَّك إنه ثُعبانُ
كم في المقابرِ من قتيل لسانِه
كانت تهابُ لقاءه الشجعانُ

فلنتدبر هذه الكلمات، ولنجعلها نبراساً لنا في حياتنا. لنجاهد أنفسنا، ولنعود ألسنتنا على قول الخير والصمت عن الشر. أسأل الله أن يُلزمنا الصدق، ويُطهّر ألسنتنا من اللغو والغيبة والنميمة، ويجعل قولنا سبباً في نجاتنا، لا هلاكنا.
اللهم اجعل ألسنتنا عامرة بذكرك، وصمتنا وقاية من إثمك، وكلامنا برهانًا على طاعتك. آمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى