السودان.. وطنٌ نُسجت خيوطه من الكرم والشهامة..

السودان.. وطنٌ نُسجت خيوطه من الكرم والشهامة..
كتب / عبد الله احمد محمد دفع الله
في ركنٍ من أركان هذا العالم، يقع وطنٌ نُسجت خيوطه من طهر النيل وعراقة الحضارة،لم يكن مجرد مساحة جغرافية على الخريطة، بل روحاً تنبض بالشهامة، والكرم، والوفاء. إنه السودان، حيثُ لا يُقاس الرجال بعدد ما يملكون، بل بقدر ما يمنحون. هنا، الكرم ليس ترفاً بل عقيدة متجذرة في القلوب، والشهامة ليست مواقف عابرة بل خُلقٌ يسري في الدماء.
شهد التاريخ قوافل من المواقف التي سُجلت بحروفٍ من نور. يوم أن نادى المستغيث، لبّاه السوداني، ويوم أن ضاق الحال بالمُحتاج، فتح داره وقلبه دون مَنٍّ ولا أذى. عُرفوا ب ” نقاء السريرة، وعلياء النفس واليد، وبيوتهم للضيف مفتوحة قبل أن يُطرق الباب”.
*شهادات من القلب.. إضاءات من الداخل والخارج*
لم يقتصر الإعجاب بهذا المعدن النبيل على أبناء السودان وحدهم، بل امتدت شهادات التقدير من كل مَنْ عاصرهم.
حيث كتب الكاتب السعودي ناصر محمد آل حسين شهادةً تفيض تقديراً وإعجاباً، قائلاً:”عندما تسافر إلى السودان تجد أن الإنسان السوداني يختلف عن كثير من البشر. تجد فيه طيبةً لا تصنّع فيها، وصدقاً لا نفاق فيه، وأمانةً لا رياء معها… إذا دخلت بيته، أجلسك في صدر المجلس، وقدّم لك أفضل ما لديه دون انتظار مقابل.”
*في زمن الشدائد.. يتجلى الإيثار*
تتجلى روح السوداني الأصيلة في أحلك الظروف، حيث يزداد وجهه إشراقاً كلما اشتد الخطب، ويزيد وفاؤه رسوخاً كلما تعاظمت المحن. وفي حادثة سقوط الرافعة بالحرم المكي، ثم في حادثة تدافع الحجاج بمنى، برز السودانيون في مشهد إنساني مهيب. يروي الكاتب السعودي نفسه عن مشاهد لا تنسى أنه رأى رجالًا طوال القامة، بشرتهم سمراء، تكسو ملامحهم الهيبة والنقاء البشري، يحملون المصابين على أكتافهم، ويسابقون الزمن لإغاثة الجرحى، ويقدمون لهم يد العون”.
تكررت هذه المشاهد الإنسانية في حادثة تدافع الحجاج بمنى، حيث يذكر الكاتب أولئك القوم: “وحينها انتبهت مرة أخرى لقوم طوال القامة، بشرتهم سمراء… تقدموا حين تراجع الجميع، ثبتوا عندما لاذ الكل بالفرار، حملوا المصابين مقدمين العون لأجهزة الطوارئ”. ويصف كيف أنهم لم يكتفوا بذلك، بل فتحوا معسكرهم الخاص لإيواء المصابين والأطباء، وجمعوا حاجياتهم في خيمة واحدة، ليجعلوا من غيرهم أولى بالراحة.
ويختم الكاتب شهادته بكلمات تفيض إعجاباً وامتناناً: “فليشكر كل سعودي ربه أنه جعلنا جيران هؤلاء… فلتشكر البشرية خالقها أنه جعل فيهم هؤلاء، ملح الأرض و(وتدها)… ورب الكعبة إنكم أصل النقاء البشري، وأصل الإنسانية وملح الأرض”.
*قصص إنسانية تُحكى بفخر، مواقف لا تُنسى*
تتجاوز هذه الشهامة حدود الوطن لتظهر في مواقف إنسانية مؤثرة في بلاد الغربة. يروي طبيب سعودي قصة حدثت في أحد مستشفيات الرياض، حيث تم إحضار رجل سوداني مغمى عليه، وفي جيبه عشرون ريالًا فقط. وعندما استيقظ وطلب منه الطبيب أن يطلب مساعدة من أحد معارفه، أجاب الرجل بثقة: “اذهب الى الطريق العام، أول سوداني يمر عليك، أعطه الروشتة وقل له أخوك السوداني مريض هنا في المستشفى… ويقول لك اصرف لي الروشتة “.
أصاب الفضول الطبيب، فخرج وجرّب. والمفاجأة كانت عودة شخصين، أحدهما يحمل العلاج كاملاً، والآخر يحمل كيسين من الفواكه. لم يكتفوا بذلك، بل ظلوا مع الرجل واهتموا به، وعندما غادروا، تركوا تحت وسادته مبلغ من المال. بكى الطبيب من هذا الموقف، وتساءل: “هل نحن بشر؟ أم السودانيين؟… هل هم ملائكة في شكل بشر؟”
قصة أخرى لا تقل إلهاماً هي قصة الممرضة السودانية رانيا في مدينة تبوك بالسعودية. بعد أن صدر بحقها حكم قضائي بدفع غرامة ضخمة بلغت 802 ألف ريال، انتفض أبناء الجالية السودانية في المملكة وخارجها. أطلقوا حملة تبرعات عاجلة، وتمكنوا من جمع المبلغ كاملًا في وقت قياسي لم يتجاوز 12 ساعة. هذه “الفزعة” عكست روح التكافل السوداني التي تصنع المعجزات وقت الشدائد.
*السودان.. قصيدة إنسانية خالدة*
حين تنساب الكلمات من قلم الشاعر الفذ إسماعيل حسن، لا يكتب عن حدود جغرافية لوطنٍ اسمه السودان، بل عن قلب ينبض بالكرم الفطري، وعِرْقٍ أصيلٍ لا ينضب إلا شهامةً ونخوة. في رائعته “بلادي أنا”، نرى سوداناً لا يعرف الأنانية، وطناً حيث “الضيف أميرٌ مقدس”، واللقمة تُقتسم ولو كانت زاد يومٍ واحد، وأناساً يخوضون غمار النار ليطفئوا دمعة الملهوف.
”بلادي أمان، بلادي حنان وناسها حنان يكفكفوا دمعة المفجوع”
هذا المعدن النفيس ليس حكراً على أرض السودان، بل هو هوية تُحمل في القلب قبل الحقيبة، وجواز سفر غير مرئي يُعرِّف بصاحبه أينما حل وارتحل. فالسوداني حيثما حلَّ، حلَّ الكرم معه.
*السودان.. بلادٌ لا تُنسى*
السودان ليس فقط أرض النيل والذهب، بل هو أرض القلوب الكبيرة. هو ذاك الشعب الذي أظهر للعالم أن الإنسانية ليست مجرد شعارات، بل هي أفعال تُترجم في أبسط التفاصيل، من رغيف خبز يُقتسم، إلى يدٍ تمتد في أصعب الأوقات.
إنها هوية متجذرة في كل سوداني، لا تتبدل بتغير الأماكن، ولا تتلاشى بمرور السنين.كل من زاره يحمل ذكريات عن ضحكات أهله، كرمهم، وقدرتهم على العطاء رغم كل الصعوبات. هو جواز سفرٍ غير مرئي يسبق صاحبه إلى القلوب، ويعلن عن وجوده قبل أن يتفوه بكلمة. ولعل السؤال الذي يختزل عن معنى النُبل الحقيقي، فلن تجد إجابة أصدق من قول الشاعر: “تصوّر كيف يكون الحال… لو ما كنت سوداني؟”
هذه الكلمات ليست حبراً على ورق، بل هي تحية لكل سوداني يحمل في قلبه حباً لهذا الوطن وشعبه العظيم، وشهادةٌ صادقة بأنكم ملح الأرض ووتدها، وأنكم الأساس الصلب الذي لا يتزعزع.
ليبقَ السودان كما عهدناه دائماً، منبعاً للعطاء الذي لا ينضب، وقبلةً للإنسانية، ووطناً لا يُنسى.




