حينما يشتري (المالك) ما يملكه..!

حينما يشتري (المالك) ما يملكه..!
بقلم / عبدالله احمد محمد دفع الله
في عالم التجارة والأسواق الذي تحكمه لغة الأرقام، وتُقاس الصفقات بميزان الربح والخسارة، تقوم المعادلة التجارية على أساس بسيط: بائع يعرض ما يملك، ومشترٍ يدفع ما عليه. قانون بشري مألوف، استقرّ في الأذهان.
لكن هل تخيلت يوماً وجود صفقة تنقلب فيها هذه المعادلة رأساً على عقب؟ صفقة تتجاوز كل قوانين السوق، وتخرج عن حدود المنطق البشري الضيق. حيث يكون فيها المشتري هو المالك الحقيقي لكل شيء، ومع ذلك يشتري، ويكون البائع عبداً لا يملك من أمر نفسه شيئاً، ومع ذلك يُعطى ثمناً يعجز الخيال عن تقديره. إنها الصفقة الإلهية التي أعلنها القرآن بعبارة مدهشة تهزّ الأرواح قبل أن تستقر في العقول في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. (التوبة:١١١)
كيف يشتري الله ما يملكه؟
عند التأمل العميق في أبعاد هذه الآية الكريمة، يقف العقل البشري مذهولاً أمام سؤال إستثنائي: كيف يشتري الله جل جلاله ما هو له أصلاً؟ فالإنسان بكل تفاصيله مِلك لله، والمال الذي بيده ليس سوى رزقٍ ساقه الخالق إليه، بل إن الأنفاس والطاقة والقدرة على السعي هي هبات محض غمرته بها الرعاية الإلهية.
فما حقيقة هذه الصفقة؟
أنت (البائع): لا تملك في الحقيقة ذاتك ولا مالك، بل أنت مستخلف فيهما لفترة مؤقتة.
الله (المشتري): هو المالك الحقيقي لك، والمالك للثمن العظيم الذي سيمنحك إياه.
هذا التساؤل يكشف عن عظمة التكريم الإلهي للإنسان. فالله عز وجل لا يشتري منك ما تملك، بمعنى التملك، فهي له سبحانه قبل أن تكون لك، وإنما يشتري اختيارك. يشتري إرادتك الحرة، وتسليمك الطوعي، وصدق توجهك. إنه يدعوك بلطفه للتخلي عن وهم الملكية المؤقتة، في مقابل ملكية أبدية لا تزول. فهي إذن ليست صفقة إستحواذ بل صفقة تكريم وتحرير.
ولعل أقرب صورة لهذا المعنى، تخيّل إنساناً يبيع قوالب من الثلج تحت شمس حارقة. كل لحظة تمرّ دون أن يبيع، تعني ذوبان البضاعة، وخسارة لا يمكن تعويضها. هذه الصورة تختصر حياتنا: أعمارنا تذوب بصمت، سواء استثمرناها أم أهدرناها.
الخطأ الذي نقع فيه جميعاً هو وقوعنا في وهم الإحتفاظ بالأصول، فنظن أننا نحافظ على أوقاتنا وجهدنا وأموالنا حين نبخل بها ونخزنها للمستقبل، لكن الحقيقة أن الزمن يستهلكها دون استئذان. الأيام تمضي، والعمر ينقص، والفرص لا تنتظر.
من هنا تتجلى رحمة الله سبحانه وتعالى علينا، فهو يعرض هذه الصفقة، لا لحاجة منه إلى أعمالنا، وإنما رحمةً بنا وتداركاً لنا قبل أن يُغلق سوق الحياة ونخرج منه صفر اليدين. إنه يخاطب الإنسان بلغة الفضل الإلهي الغامر: أعطني وقتك الفاني أُعطك خلوداً. أعطني جهدك المحدود أجعله نوراً لا ينطفئ. أعطني دنياك أُعطك جنة عرضها السَّمَوَات والأرض. إنها ليست صفقة حاجة من الله، بل رحمة بالإنسان قبل أن يُغلق سوق الحياة.
كرم يتجاوز المنطق
في أسواق الدنيا، تُرفض البضاعة المعيبة أو تُباع بأبخس الأثمان. أما في التعامل مع الله، فالأمر مختلف تماماً. فهو سبحانه يعلم ضعفك وتقصيرك وعجزك ومع كل هذا النقص البشري يقبل منك القليل ويضاعفه أضعافاً لا تحصى. يغفر التقصير ويثيب على النية. يرى صدق المحاولة قبل كمال العمل.
قد تصلي وقلبك مشتت، أو تتصدق وفي نفسك تردد، أو تتوب ثم تعود، ومع ذلك تبقى أبواب القبول مفتوحة. لأن الله لا ينظر فقط إلى ما فعلت، بل ينظر إلى صدق المحاولة. إنه سبحانه يشتري منك مجاهدة النفس قبل بلوغ الكمال، ويحب منك الانكسار والافتقار بين يديه أكثر من إعجابٍ بعملٍ يخالطه الكِبر، وربّ دمعة ندم صادقة تسبق في ميزان الله أعمالاً عظيمة خلت من الإخلاص.
ومن أعجب صور هذا الكرم قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.(البقرة:٢٤٥)
هل يحتاج الغني المطلق ملك الملوك، إلى قرض من فقير معدم؟ حاشاه سبحانه وتعالى! فالله يعطيك المال أولاً، ثم يدعوك للإنفاق منه، ثم يرده إليك أضعافاً مضاعفة، وفوق كل ذلك… يشكرك عليه.
أي كرم هذا الذي يجعلك تمشي بين الخلائق رافع الرأس وكأن لك دَيْناً عند رب العالمين؟ إنه ليس مجرد ثواب مادي، بل هو تربية ربانية للنفس البشرية على الشعور بالكرامة والمسؤولية، حتى لا يعيش المؤمن في هذه الحياة متلقياً سلبياً دائماً، بل شريكاً إيجابياً في صناعة الخير وإعمار الأرض.
هندسة الفضل: من الفناء إلى الخلود
هذه الصفقة ليست تبادلاً عادياً، بل تحويلاً عجيباً في جوهر الأشياء: ركعتان في جوف الليل تصبحان نوراً لا ينطفئ. لقمة تُعطى لمحتاج تصبح ظلاً ظليلاً. سجدة واحدة تتحول إلى رفعة ودرجات في أعلى عليين. صدقة صغيرة تتحول إلى جبل من الحسنات. كلمة طيبة تنمو شجرة في الجنة. صبر لحظة يتحول إلى نعيم دائم. إنها هندسة الفضل التي تعيد تعريف القيمة، وتكسر حدود المنطق الأرضي الضيق، محولةً التراب إلى نور، والجهد المحدود إلى أجر لا ينفد.
التردد وهم قاتل.. والوقت لا ينتظر أحداً
أخطر ما يواجه الإنسان في هذه الصفقة، ليس الفقر أو الفقد، بل التردد وسؤال الذات الحائرة: هل أبيع أم أحتفظ؟
يا مسكين.. الحقيقة أنك لا تملك رفاهية عدم البيع أصلاً، أنت مبيع ومستهلك لا محالة، فجسدك وعمرك في تناقص مستمر مع كل دقة قلب: إما أن تبيعه لله فتربح، أو تبيعه للدنيا بلا ثمن، أو تتركه لتأكله الديدان والتراب في نهاية المطاف.
كثيرون هم الذين يخشون خسارة المال أو المنصب أو الجاه الفاني. لكن الخسارة الكبرى والمدوية ليست فقدان شيء من حطام الدنيا، بل الخسارة الحقيقية أن يمر العمر وينقضي دون أن يتحول إلى رصيد أبدي. أن يخرج الإنسان من الدنيا محملاً بالأرقام، والحسابات البنكية، والشهادات الورقية، والألقاب الاجتماعية، لكنه يأتي فارغاً تماماً من العمل الصالح الذي ينفعه عند الله. فالدنيا مهما طالت قصيرة، وكل ما فيها مؤقت يزول، وأما ما عند الله فهو الباقي النافع. ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.(القصص:٦٠)
الفوز العظيم.. لحظة استلام الأرباح
تظل هذه الصفقة الفريدة مفتوحة ومتاحة ما دام القلب ينبض والروح تتردد في الجسد. ولكن يأتي يوم حتمي تُغلق فيه دفاتر الأعمال، ويُطوى سجل العمر، وتبدأ مرحلة كشف الأرباح الحقيقية وعرض النتائج.
هناك فقط.. يفهم المؤمن بكل جوارحه المعنى الحقيقي والعميق لقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.(التوبة:١١١)
يومها يكتشف الحقيقة الكبرى: أن الله لم يعامله بعدله فقط، بل عامله بفضله ورضاه وكرمه. لم يكن يطلب منه الكثير ليأخذ منه، وإنما كان يفتح له باباً ليمنحه فوق ما يتخيل ويتصور.
قبل أن تطوي هذه الصفحة، توقف لحظة مع نفسك وأسألها بصوت مسموع: ماذا قدمت في هذه الصفقة الربحية؟ كم من وقتك بعت لله؟ كم من مالك وجهدك وضعته في ميزان حسناتك؟ تذكر أن السوق لا يزال مفتوحاً، والفرصة قائمة، والبضاعة لا تزال بين يديك… لكنك لا تدري، لعل هذا هو آخر عرض متاح لك في سوق الحياة!
إنها صفقة العمر، بل صفقة الأبد، فكن من الرابحين فيها، ولا تكن من الخاسرين. اغتنم لحظاتك قبل الفوات، واستثمر أيامك في ما يبقى لك، وكن من الذين قال الله فيهم: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. (النور:٣٧)
دعاء وختام
اللهم أجعلنا من الصابرين والصائمين والعافين عن الناس ومن الذين باعوا أنفسهم لك فربحوا البيع وفازوا برضاك والجنة. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد الفاتح لما أُغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.



