التاريخ يعيد نفسه.. رسالة إلى البرهان

التاريخ يعيد نفسه.. رسالة إلى البرهان..!
بقلم/ عصام دقداق
من يقرأ تاريخ السودان السياسي يدرك أن التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد إنتاج المشاهد ذاتها بأدوات وأشخاص وظروف مختلفة. لذلك فإن استيعاب دروس الماضي ضرورة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
يمر السودان اليوم بإحدى أخطر مراحله، في ظل حرب لم تعد مجرد مواجهة مع تمرد مسلح، بل معركة وجود تستهدف الدولة ومؤسساتها ووحدتها الوطنية. ومنذ اندلاعها كشفت الحرب حجم التدخلات الخارجية والإقليمية، وحجم الموارد التي سخرت لدعم مشروع الفوضى وإطالة أمد الصراع.
ورغم النجاحات العسكرية التي حققتها القوات المسلحة السودانية وتحريرها لمناطق استراتيجية، فإن الجهات الداعمة لهذا المشروع لم تتراجع، بل ظلت تغير خططها وأدواتها كلما تعرضت مخططاتها للفشل. وقد تجاوز الدعم السلاح والتمويل إلى التكنولوجيا والطائرات المسيّرة والإسناد الإعلامي والسياسي والدبلوماسي، بما يؤكد أن الهدف لم يكن السيطرة على منطقة بعينها، بل إنهاك الدولة السودانية وإضعاف مؤسساتها.
وفي المقابل، وقف الشعب السوداني موقفًا تاريخيًا خلف قواته المسلحة، مؤكدًا أن معركة الكرامة ليست معركة الجيش وحده، بل معركة وطن بأكمله.
لكن وسط هذا المشهد يبرز خطر أكثر تعقيدًا من المعارك الميدانية، وهو خطر الاختراق الداخلي. فهذا النوع من الحروب أسقط دولًا وأنظمة عبر التاريخ، وكان سببًا في تحولات سياسية كبرى شهدها السودان نفسه.
لقد حذرنا مرارًا من أن إطالة أمد الحرب تمنح الخصوم فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم، وبناء شبكات جديدة للتأثير داخل مؤسسات الدولة ومراكز القرار. فكل يوم يمر دون حسم يمنح أعداء السودان فرصة إضافية للتخطيط والتأثير وصناعة الأزمات.
وشهد السودان خلال السنوات الماضية كيف تعرضت بعض القوى السياسية للاختراق، وكيف أصبحت بعض الأطراف أدوات، بقصد أو بغير قصد، في مشاريع أكبر من شعاراتها المعلنة. كما أن التمرد نفسه لم ينشأ بمعزل عن التأثيرات الخارجية والتقاطعات الإقليمية والدولية.
ومن هنا تأتي رسالتي إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
إن ما نراه اليوم يثير مخاوف من تكرار سيناريوهات عرفها السودان من قبل. فالأزمة الاقتصادية التي يعيشها المواطن ليست مجرد نتيجة مباشرة للحرب بل هي مصطنعة من داخل مراكز القرار ، مما يستدعي الانتباه إلى ما يجري خلف الكواليس.
ونستحضر هنا ما حدث قبل عام 2019 في عهد الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير، حين شهد السودان أزمات متلاحقة في الوقود والخبز والنقد الأجنبي والسلع الأساسية، وكان البرهان شاهدًا على تلك المرحلة. ولا يزال كثير من السودانيين يعتقدون أن تلك الأزمات لم تكن كلها نتاج عوامل اقتصادية طبيعية، بل ساهمت فيها قيادات من داخل مراكز القرار بجانب ضغوط وتدخلات خارجية معقدة أدت إلى حالة الانهيار والسخط الشعبي.
واليوم، وبعد صمود القوات المسلحة والشعب السوداني، يبدو أن خصوم السودان ربما يتجهون إلى مرحلة جديدة تقوم على صناعة الأزمات من الداخل بعد تعثر رهانات الحسم العسكري السريع.
كما أن الضغوط المتزايدة على الدول التي دعمت السودان سياسيًا أو اقتصاديًا أو دبلوماسيًا تثير تساؤلات حول محاولات لعزل السودان وإضعاف شبكة علاقاته الخارجية بما يخدم مشاريع معينة.
ومن زاوية التحليل السياسي، لا أستبعد وجود تنسيق خارجي مع خلايا داخلية متغلغلة في بعض مراكز القرار، تعمل لإعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني وابعاد راس الدولة . كما لا أستبعد وجود تفاهمات غير معلنة مع بعض القيادات المدنية في الداخل و التي لا تزال ترى في الحرب وسيلة لإعادة ترتيب السلطة وفق رؤاها الخاصة.
وتزداد المخاوف مع احتمال وجود أطراف أخرى وربما مسلحة مساندة للقوات المسلحة قد تتقاطع مصالحها مع مشاريع إقليمية أو دولية تسعى لإعادة هندسة السلطة في السودان، خاصة أن التجربة السودانية أثبتت أن التحالفات السياسية والعسكرية ليست ثابتة، وأن المصالح كثيرًا ما تعيد رسم الخرائط بصورة مفاجئة.
كما لا أستبعد وجود تصور معد مسبقًا لمرحلة ما بعد الانقاض على رأس الدولة ، ثم الانتقال إلى تسوية سياسية جاهزة تقدم باعتبارها الحل الوحيد للأزمة السودانية. وقد تتضمن هذه التسوية شراكات جديدة تعود من خلالها بعض القوى السياسية والعسكرية وحتى قيادة التمرد إلى واجهة المشهد، ليجد السودانيون أنفسهم أمام واقع صيغ بعيدًا عن تطلعاتهم وتضحياتهم.
لقد فشل مشروع إسقاط الدولة عبر البندقية، لكن ذلك لا يعني انتهاء المشروع نفسه، فالتاريخ يعلمنا أن ما تعجز عنه الجيوش قد تحققه الاختراقات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ولهذا فإن الخطر الحقيقي اليوم قد لا يكون في خطوط القتال، بل داخل مراكز القرار ودوائر النفوذ والمؤسسات القادرة على التأثير في الاقتصاد والإعلام والسياسة والرأي العام.
إن معركة السودان أصبحت معركة وعي ويقظة وطنية، ومعركة كشف للاختراقات وشبكات المصالح التي قد تعمل في الخفاء لتحقيق ما عجزت عنه الحرب في العلن.
ورسالتنا إلى الفريق أول البرهان وإلى كل الوطنيين السودانيين أن يولوا اهتمامًا أكبر بما يجري داخل مؤسسات الدولة، فالأمم لا تسقط فقط بفعل الأعداء الخارجيين، بل كثيرًا ما تسقط عندما تنجح الانقسامات والمؤامرات في الوصول إلى قلب مراكز القرار.
إن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة دقيقة لمراكز النفوذ واتخاذ القرار، وحسمًا تجاه أي مظاهر للفساد أو الاختراق أو التواطؤ، لأن حماية الدولة لا تتحقق فقط بالانتصار العسكري، وإنما أيضًا بحماية الجبهة الداخلية.
وأقول للفريق أول البرهان لقد كنت شاهدًا على أحداث 2019 وعلى التحولات التي سبقتها، ولذلك فإن دروس الماضي يجب ألا تُنسى. فقد تكون الأزمة الحالية صناعة جديدة، وقد تكون بداية لمشهد أكبر يتشكل في الخفاء، لكن المؤكد أن اليقظة والحسم وحماية مؤسسات الدولة الوطنية هي الضمانة الأساسية حتى لا يجد السودان نفسه يعيد السير في الطريق ذاته.
فالتاريخ يعيد نفسه، لكن الشعوب الواعية هي التي تمنع تكرار أخطائه.




