راي

يُنشر (الفقر) حينما تموت (الكرامة)..!

يُنشر (الفقر) حينما تموت (الكرامة)..!

كتب /عبد الله احمد محمد دفع الله

في زحمة الحياة وتوالي الأيام المتسارعة، نغرق في مشاغلنا حتى ننسى أحياناً من هم أولى بالرعاية، والأقرب إلى قلوبنا.
ننسى الإخوة والأقارب والأحبة، ليس لأنهم بعيدون عنا، بل لأننا انشغلنا بأنفسنا حتى أعمانا الانشغال عن رؤيتهم أو حتى السؤال عنهم. ولكن أحياناً، تتوقف الحياة أحياناً لتلقي علينا دروساً قاسية، لا عبر الكتب والمحاضرات، بل من خلال مواقف بسيطة وعميقة في آن واحد، ونظن أننا نُدير حياتنا بحكمة، لكن الحقيقة غالباً ما تكون أعمق وأكثر إيلاماً.
*غسيل الحاجة… عندما تتكلم الثياب*
قصة هذا الأخ الذي انكشفت حاجته من خلال “غسيله” المنشور في فناء بيته، ليست مجرد حكاية عابرة، بل هي مرآة تعكس واقعاً مؤلماً نعيشه جميعاً.
تخيل معي هذا المشهد:
يعود رجل إلى منزله، فيستوقفه منظر غريب على حبال الغسيل في فناء بيته. ملابس رثة، ممزقة، قديمة، لا تشبه ما اعتاده. التفت إلى زوجته متسائلًا: “لِمن هذه الملابس؟” فترد بهدوء أنها ملابس أخيك. الذي استعانت زوجته بفنائهم لتجفيفها.
في تلك اللحظة، تتكسر كل الحواجز، وتتلاشى كل الأوهام.
تغيرت ملامح الرجل، وانكسر صوته حين تأمل تلك الملابس جيداً، يرى فيها رقعاً فوق رقع، وملامح فقر تشهد بحال لا يسرّ. في تلك اللحظة، لا يلوم أحداً، بل يلوم نفسه بصوت خافت يملؤه الندم: “إنا لله وإنا إليه راجعون… هذا حال أخي؟! لم أسأل عنه، لم أزره، لم أحتضن أولاده… وها هو يخبرني بملابسه لا بلسانه!”
إنها لحظة صادمة حين يتكلم الصمت، ويصرخ الغسيل المنشور بما لم يستطع صاحبه قوله. إنها “غسيل الحاجة” الذي ينطق عندما تعجز الألسنة عن الشكوى.
فليس كل فقر يُروى (قصته) ، ولا كل حاجة تُطلب. بعض الناس يحبسون الألم في قلوبهم، ويغلقون أفواههم عن الشكوى، لا عجزاً، بل عفةً وكرامة. لكن الفقر أقسى من أن يختبئ طويلاً، فينطق من حيث لا نتوقع: في ملابس طفل، أو عشاءٍ ناقص، أو دواء غائب.
كم من أم أرملة نامت على جوع لتُشبع أبناءها، وكم من أخ صارع الألم بصمت ليكفي عياله، وكم من أخت خجلت أن تطلب، فاكتفت بالقليل، وانتظرت من لا يسأل ولا يأتي. هؤلاء لا يمدّون أيديهم، لأن ما تبقى لهم هو الكرامة، وهي أغلى ما يملكون. وحين تنكسر الكرامة، لا يبقى أمام الحاجة سبيل سوى أن “يُنشر الغسيل” ليراه العالم، فيكشف ضعفاً لم يكن يوماً يريد لأحد أن يراه.
وللأسف، نحن لا ننتبه إلا حين نرى “العورة مكشوفة” أو الكرامة منكسرة. وكم من حكايات مؤلمة لم نعرفها لأن أصحابها تعفّفوا، فماتوا في صمت، أو تحملوا الألم دون أن يُنشر غسيلهم أمام الناس.
*العطاء للأقارب: ليس صدقة بل واجب مُقدس*
إن العطاء للأقارب ليس تفضلاً أو إحساناً نمنحه حسب رغبتنا، بل هو واجب مقدس أمرنا به الله ورسوله. في القرآن الكريم، جاء الترتيب واضحاً: “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ…”. (النساء:٣٦)
فبعد توحيد الله والإحسان للوالدين، يأتي ذوو القربى في المرتبة الأولى،
هذا الترتيب الإِلَٰهي يضع الأولويات في مكانها الصحيح. لكن للأسف، نحن اليوم نعكس هذا الترتيب. ننفق على الغرباء وننسى الأقارب، نُغدق على من لا نعرفهم، ونبخل على من هم أولى بفضلنا ورحمتنا. نُسارع لمد يد العون لمن نراهم في وسائل التواصل الاجتماعي، في حين أن الأخ أو الأخت أو الخالة أو العم قد يكونون في أمس الحاجة إلينا، على بعد خطوات قليلة منا.
عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ للَّهِ ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ قَالَ : ” أَنْ تَصَدَّقَ أَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحُ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، لَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ : لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا. وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ “. (متفق عليه).
فالعطاء في وقت الصحة والشح هو الأفضل، والأولى به هم أقرب الناس إليك.
*نحو مسؤولية أكبر: كيف نُعالج هذا القصور؟*
حتى لا تتكرر مأساة “الأخ الذي لم يسأل عن أخيه”، يجب أن نعيد النظر في أولوياتنا وسلوكياتنا. إليك بعض الخطوات التي يمكن أن تساعدنا في ذلك:
* المبادرة بالسؤال والاطمئنان: اجعل التواصل مع أقاربك عادة، لا مجرد واجب في المناسبات. اسأل عن أحوالهم بصدق، فالسؤال الحقيقي قد يكشف لك ما تخفيه الألسنة.
* العطاء بكرامة: لا تنتظر أن يُطلب منك العون. بادر أنت، واجعل عطاءك سراً بينك وبين الله، وقدمه بأسلوب يحفظ كرامة المتلقي، لا يُشعره بالحرج أو النقص.
* تذكير النفس بأهمية صلة الرحم: تذكر دائماً أن صلة الرحم ليست مجرد زيارات عابرة، بل هي مسؤولية أخلاقية ودينية تتطلب منك أن تكون سنداً وعوناً لأقربائك في الشدة والرخاء.
القلوب الكريمة لا تنتظر صرخة أو شكوى، بل تطرق الأبواب بصمت، وتلمس الحاجة قبل أن تُرى. إنها تلك القلوب التي تدرك أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يقدمه للآخرين، خصوصًا من هم من دمه ولحمه.
فلنتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا: متى كانت آخر مرة سألنا فيها عن أقاربنا المحتاجين؟ ولنتذكر دائماً، أن غسيل المحتاج لا يجب أن يُنشر لكي نراه، بل واجبنا أن نراه قبل أن يُنشر.
هل أنت مستعد لتكون ذلك الشخص الذي يمد يد العون بصمت، قبل أن تتكلم الحاجة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى