في ذكرى شهيد الشباب محمد الفضل حينما حمل المصحف والبندقية

*في ذكرى شهيد الشباب محمد الفضل عبد الواحد حين حمل المصحف والبندقية*
*عصام دقداق*
تمر الأيام وتبقى بعض الأسماء أكبر من أن تطويها السنوات لأنها كتبت سطورها بمداد الإيمان وختمتها بدم الشهادة وفي ذكرى استشهاد شهيد الشباب الشهيد محمد الفضل عبد الواحد نقف إجلالاً أمام سيرة شاب لم يكن رجلاً عادياً بين أبناء جيله بل كان مشروع أمة وعالماً يافعاً ومجاهداً صدق ما عاهد الله عليه
عرفته ميادين العلم قبل أن تعرفه ميادين القتال وعرفته حلقات القرآن قبل أن تعرفه ساحات الوغى كان حافظاً لكتاب الله عن ظهر قلب عاش مع القرآن وتدبر آياته ونهل من علوم السنة النبوية وأخذ يتعمق في الفقه والحديث والتفسير حتى أصبح رغم حداثة سنه يضاهي كبار العلماء بعلمه وسعة اطلاعه فأصبح شيخاً يتعلم الناس من أدبه قبل علمه ومن ورعه قبل حديثه
خرج محمد الفضل من بيت نور وبيت علم ومن أسرة غرست فيه محبة الله والوطن فشب شاباً تقياً نقياً حسن الخلق محبوباً بين الناس قريباً من القلوب حتى أحبه السودانيون لما رأوا فيه من إخلاص وصدق وزهد وتواضع
وحين نادى الوطن أبناءه لم يكتف الشهيد بالدعاء أو الوقوف بعيداً بل حمل المصحف بيد والبندقية باليد الأخرى وانطلق إلى ميادين معركة الكرامة مؤمناً بأن الدفاع عن الأرض والعرض والإنسان واجب لا يقبل التردد
لم يكن من أهل الصفوف الخلفية بل كان دوماً في مقدمة الصفوف يرشد إخوانه ويثبتهم ويقودهم وتشهد له الخرطوم وكل مواقع القتال التي مر بها كان ثابتاً لا يعرف الخوف مقداماً لا يعرف التراجع يرى أن حماية السودان وأهله شرف لا يدانيه شرف
لم يقبل أن يرى أهل السودان مهجرين من ديارهم ولا أن يرى الأمهات والآباء وكبار السن يذوقون مرارة الإهانة ولم يقبل أن تنتهك الحرمات أو أن تمس كرامة الحرائر فاختار طريق التضحية وبذل نفسه راضياً محتسباً حتى ارتقى شهيداً وسقى بدمه الطاهر أرض السودان التي أحبها
رحل محمد الفضل جسداً لكنه بقي روحاً حاضرة في وجدان الشباب السوداني وبقيت سيرته العطرة نوراً يهدي الأجيال القادمة ودافعاً لكل شاب أن يجعل الوطن والدين والكرامة فوق كل اعتبار
لقد فقدنا رجلاً ولكن فضل الله أن أنبت من بعده جيلاً كاملاً يحمل رسالته حتى قامت في محلية القولد كتيبة تحمل اسم الشهيد محمد الفضل وكأن القدر أراد أن يقول إن الرجال وإن غابوا بأجسادهم فإن مبادئهم لا تموت وإن الشهيد الواحد قد يوقظ أمة وقد يخرج من خلفه ألف رجل يسيرون على دربه
ولم يكن محمد الفضل وحده في هذا الطريق بل كان معه رفاق صدقوا ما عاهدوا الله عليه ومنهم الشهيد مهند والشهيد إسطنبول الذين تركوا للأجيال معنى الشباب السوداني الأصيل ومعنى التضحية والاستبسال والفداء وكتبوا بدمائهم صفحات مضيئة في سجل الوطن
وفي ذكرى استشهاد شهيد الشباب محمد الفضل عبد الواحد لا نبكي غياب الرجال بقدر ما نفتخر بما تركوه من أثر فهم لم يرحلوا بل تحولوا إلى سراج منير في تاريخ السودان وإلى مدرسة في الإيمان والعلم والشجاعة وإلى ذكرى خالدة ستبقى ما بقي السودان
رحم الله الشهيد محمد الفضل عبد الواحد، ورحم رفاقه الشهداء وجعل ذكراهم نبراساً للأجيال وسيبقى اسم محمد الفضل محفوراً في صفحات المجد شاهداً على أن الرجال العظام لا تقاس أعمارهم بعدد السنين وإنما بما يتركونه من مواقف خالدة وأن الشهداء وإن غابوا عن أعيننا فإنهم أحياء في ضمائر الأوطان خالدون في ذاكرة الشعوب



