جوبا من الإعداد (الخفي) إلى الانخراط (العلني) ..!

جوبا من الإعداد الخفي إلى الانخراط العلني
كتب/ عصام دقداق
الأخبار الواردة اليوم تتحدث عن وصول الهالك قائد قوات الدعم السريع المتمردة إلى مدينة جوبا، واستقباله في بروتوكول رسمي دون الإعلان عنه، مع وجوده في قصر الضيافة برفقة رئيس دولة جنوب السودان الفريق سلفا كير ميارديت.
وقد تحدثنا في مقال سابق بأن جنوب السودان تُعد أحد المحاور الرئيسية في الحرب تجاه السودان، كما أشرنا إلى أدوار كل من ليبيا وتشاد، وتحدثنا كذلك عن الاستعدادات المبكرة التي تمت لتجهيز مسرح العدوان من داخل إثيوبيا.
ومنذ أربعة أشهر، أكدنا أن جنوب السودان جزء من هذا المخطط، وأنها ستكون آخر دولة تدخل في الحرب بشكل واضح ومكشوف. كما أوضحنا أن إثيوبيا ظلت تعمل في الخفاء لفترة طويلة، إلى أن اكتملت تجهيزات المعسكرات داخل أراضيها، من حيث العتاد والتشوين والسلاح والمرتزقة، تمهيدًا للهجوم على النيل الأزرق، قبل أن ينكشف الأمر وتصبح تصريحاتها علنية وتحمل طابعًا عدائيًا واضحًا.
وبالمثل، تحدثنا بوضوح عن أن الإعداد داخل جنوب السودان يتم بصورة كبيرة، من خلال تجميع المرتزقة الجنوبيين، والاستعانة بعناصر من القبائل الحدودية بين السودان وجنوب السودان، إلى جانب نقل العتاد والتشوين بشكل مستمر.
كما أشرنا إلى القاعدة الجوية التي تم صيانتها واستخدامها مؤخرًا بالقرب من الحدود السودانية مع جنوب السودان، وهي خطوة لم تكن معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة من الاستعدادات المبكرة التي بدأنا التحذير منها منذ أربعة أشهر.
واليوم، ومع هذه التطورات المتسارعة، يبدو أن كل هذا الدعم اللوجستي وهذه الاستعدادات قد وصلت إلى ذروتها، وبلغت المرحلة المطلوبة للانتقال من الإعداد إلى التنفيذ. ويؤكد ذلك زيارة المتمرد حميدتي إلى جنوب السودان بعد اكتمال هذه الترتيبات.
وبناءً على ذلك، فإن توقعاتي تشير إلى أنه خلال الأسابيع القادمة ستصدر تصريحات وخطابات من جنوب السودان تحمل طابعًا عدائيًا واضحًا تجاه السودان، مع تغيير ملحوظ في السياسة والعلاقات بين البلدين، وهو ما سيظهر بشكل علني بعد اكتمال الإعداد.
وقد ذكرنا في مقال سابق أن الهجوم على السودان سيكون من عدة أطراف، تشمل تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، على أن تكون المرحلة الأخيرة عبر إثيوبيا ثم جنوب السودان، حيث ستدخلان معًا في دعم واضح للتمرد ضد الحكومة السودانية.
والآن، يبدو بأن جوبا بدأت فعليًا في تنفيذ هذه المرحلة، واتوقع احتمالية انطلاق عمل عدائي واسع خلال الأيام أو الأسابيع القادمة، ينطلق من جنوب السودان باتجاه الحدود السودانية وامتداد النيل الأزرق، بالتزامن مع تحركات من داخل إثيوبيا.
وقد حذرت من هذا السيناريو منذ أربعة أشهر، وأوضحت أن امتداد الحرب من جنوب السودان وإثيوبيا نحو النيل الأزرق قد يتزامن مع تحركات أخرى، بما في ذلك وجود قوة يتم تجهيزها في ليبيا، يُرجح أن تكون وجهتها الولايات الشمالية بعد تحقيق مكاسب ميدانية في الجبهة الشرقية والجنوبية.
كما أشرت إلى أن تقدم إثيوبيا ومحاولاتها السابقة للهجوم على النيل الأزرق وفرض واقع ميداني جديد، اصطدمت بثبات القوات المسلحة السودانية، وهو ما أدى إلى التعجيل بفتح جبهة جديدة من جنوب السودان، بهدف تشتيت القوات المسلحة بين عدة محاور.
وبذلك، فإن السيناريو المتوقع يقوم على إشغال القوات المسلحة السودانية بين الجبهة الجنوبية والشرقية، والجبهة الشمالية الغربية، والجبهة الجنوبية الغربية، في محاولة لإضعاف قدرتها على السيطرة والتركيز.
وعليه، فإن الأيام القادمة كما أشرنا سابقًا قد تشهد تصعيدًا واسعًا في الجبهة الجنوبية والشرقية، انطلاقًا من جنوب السودان وإثيوبيا، مع احتمالية تحركات إضافية من الحدود الليبية والتشادية.
، إن كانت هناك قيادة حكيمة داخل جنوب السودان، فإن المسؤولية تقتضي احترام الجوار والعلاقات التاريخية بين الشعبين، والعمل على تعزيز التعاون المشترك للحفاظ على أمن واستقرار ووحدة البلدين، بدلًا من الوقوع في فخ الأجندات الخارجية. فجنوب السودان يعاني في داخله من تعقيدات وصراعات وعدم استقرار، تمثل في جوهرها قنابل مؤقتة قابلة للاشتعال في أي لحظة، وهو ما يتطلب تغليب صوت العقل لا الانجرار نحو التصعيد.
كما أن صناع القرار هناك يدركون جيدًا أن لـ السودان تأثيرًا عميقًا داخل جنوب السودان، وأن أي انخراط في مسارات عدائية قد يفتح الباب أمام سيناريوهات مقابلة، بما قد يؤدي إلى تشكيل واقع جديد داخل جنوب السودان نفسه، وهو أمر لا يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها.
كلنا ثقة في قواتنا المسلحة، وأن الشعب السوداني سيظل في حالة تلاحم قوي لصد وإفشال كل المخططات المتجددة التي تستهدف الوطن، وهي في حقيقتها سيناريو متكرر منذ استقلال السودان، يتجدد بأدوات مختلفة لكنه ينكسر دائمًا على صلابة الدولة ووحدة شعبها.




