راي

رمضان… شهر الدعاء وحضور القلب والأوطان الجريحة

رمضان… شهر الدعاء وحضور القلب والأوطان الجريحة

كتب /عبد الله احمد محمد دفع الله

ها هو رمضان يَطِلُّ علينا ضيفًا كريماً، يحمل في ثناياه نفحاتٍ ربانية تغمر القلوب بروحانية السماء، وبركاتٍ تتدفق في كل ليلة. شهر لا يقتصر على الإمساك عن الطعام والشراب، بل تجديدُ عهدٍ مع الله، ومراجعةٌ صادقة للنفس، تصفّي الروح من أدران الدنيا وهمومها الثقيلة.

في هذا الشهر المبارك، تُفْتَحْ أبوابُ السماء، وتتنزل الرحمات، وتُسْتَجَابُ الدعواتُ لمن أقْبَلَ إلى الله بقلبٍ حاضرٍ خاشع. يناجيه في سكون الليل، ويبلّل بساط السجود بدمعة صدق يعلم صاحبها أنه يقف بين يدي كريم.
وأعظم الدعاء ما علّمنا الله إياه في كتابه الكريم، ذلك الدعاء الجامع الذي نكرّره في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، هذا الدعاء الجامع هو لبّ العبودية وسرّ السعادة في الدنيا والآخرة. إنه دعاء الهداية والثبات، فمن هداه الله الصراط المستقيم فقد أوتي الخير كله، وسار في طريق النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.

ثم يأتي الدعاء الذي يكشف ضعف الإنسان ، ويذكّره بأن باب العفو أوسع من كل زلل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، كلمات تختصر حالنا، نحن بشر ننسى ونُخطئ، تغلبنا شهواتنا، وتزلّ أقدامنا، لكننا نعود تائبين مستغفرين إلى رب أرحم بنا من أنفسنا. هنا يتعلم العبد أن التوبة جزء من طريق الهداية.

نستقبل رمضان هذا العام وجراحُ أوطاننا نازفة، ونار الحروب تلتهم الأخضر واليابس. في هذه اللحظات، لا يكون الدعاء ترفاً روحيًا، بل ضرورة وسلاحاً لا يُهزم. نرفع أكفنا ونقول: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا، فإننا نستحضر دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام، مؤمنين أن الأمن منحةٌ إلهية لا تستطيع قوى الأرض انتزاعها إذا أراد الله حفظها. والمؤمن يعلم أن الأيام المقبلة تحمل شدائد تحتاج صبراً أعظم، وحدة أرسخ، فالنصر الحقيقي هو أن نخرج من هذه الفتن بإيمانٍ أثبت وقلب ساكن.

المعركة تُدار في الظاهر بأيدي البشر، لكن حقيقتها بمشيئة الله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. فمن دعائنا أن يجعل الله نار الفتن تعود على موقِديها، و يُرينا في الطغاة آيةً تكون عبرة لكل ظالم، ويحفظ بلاد المسلمين وأبناءهم وأعراضهم من كل سوء. وليس معنى هذا أن نقف على هامش الأحداث متفرجين، نكتفي بالعاطفة والدعاء؛ بل يحرك في القلب سؤالًا: ما واجبي؟ ماذا أقدّم لديني ووطني وأهلي؟ فالمؤمن الذي يدعو في الليل، يُطالَب في النهار بأن يصدق مع دعائه عملًا وإصلاحًا وصبرًا.

في أوقات الانكسار، لا يجد المؤمن تعبيرًا أصدق من شكوى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الطائف: ” إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي “. هذا المعنى هو ما نحتاج أن نحمله في قلوبنا اليوم؛ أن نشكو إلى الله ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، دون يأس، بل برجاء أن يجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.

ليالي رمضان مواسم قربةٍ وميادين عتق، وصلاة التراويح تجمع القلوب حول القرآن، وفي جوف الليل يتنزل الرب سبحانه وتعالى نزولًا يليق بجلاله، مناديًا عباده: “هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟”. يُعد هذا الوقت من أفضل أوقات الإجابة، حيث يستمر هذا النداء حتى طلوع الفجر، فيستحي المؤمن أن يضيع تلك اللحظات دون أن يرفع يديه، ودون أن يسكب همومه عند باب السماء.

وفي العشر الأواخر من رمضان تتجلّى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فيرفع المؤمن يديه في تلك الساعات المباركة، فيقول: اللهم اجعلنا من أهلها، وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا وأهلينا من النار يا عزيز يا غفّار.

*ختامًا*

رمضان مدرسة الإيمان، وميدان الدعاء الفسيح، أبوابه مفتوحة للقرب، ورحمته واسعة للمغفرة. وما أحوج عالمنا إلى دعاءٍ صادقٍ يرفع الظلم، ويعيد للأمة وحدتها وعزتها. فالدعاء قوةٌ تغيّر النفوس، وبتغييّرها يتغيّر الواقع. بالدعاء تُروى القلوب، وبالإيمان تُبنى الحضارات.

اللهم اجعلنا من المقبولين، ووفقنا لصيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك عنا، واهدنا الصراط المستقيم، واجعل لنا من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، واكتب لنا فيه نصيبًا من نورك ورضاك يا أكرم الأكرمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى