راي

المرء مع من أحب..!

عبد الله أحمد محمد دفع الله يكتب:

المرء مع من أحب: كيف يصنع الحبّ بوصلة المصير؟

هناك شعور خفي يمرّ على القلب بين الحين والآخر، هل شعرت يوماً بذلك الشعور الخفي بالتقصير؟ ذلك الصوت الذي يهمس في أذنك حين يخلو المكان: هل عملي يكفي؟ هل سأكون مع الصالحين أم سأفقد الطريق؟ إنها تساؤلات مشروعة، ومخاوف إنسانية تضرب في عمق الوجدان، وهي إشارة على قلب لا يزال يقظاً، يبحث عن وجهته وسط صخب الحياة.
لكن، ماذا لو أخبرتك أن مفتاح النجاة، وشفرة العبور الآمن، قد لا تكمن فقط في كثرة الأعمال التي قد ترهق الجسد، بل تسكن في مكان أقرب إليك مما تتصور.. إنها تسكن في قلبك.

وجعُ المحبّة.. حين يصبح الشوق عبادة

من أرقّ المشاهد وأكثرها صدقاً في السيرة النبوية، قصة ثَوْبانَ مَوْلى رسولِ اللهِ ﷺ، الذي وقف بين يدي النبي ﷺ وقد ذبل لونه ونحل جسده. لم يكن يشتكي من مرض جسدي، بل كان مرضه الشوق والخوف على المصير.
حين سأله النبي ﷺ: “ما غَيَّرَ لَوْنَكَ؟”، كشف عن مكنون صدره بصدق مدهش فقال: “يا رسولَ اللهِ، ما بي مَرَضٌ ولا وَجَعٌ؛ غيرَ أني إذا لم أَرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شديدةً حتى ألقاك. ثم إني إذا ذَكَرْتُ الآخِرَةَ أخافُ أَلّا أراكَ لأنكَ تُرْفَعُ إلى عِلِّيِّينَ مع النَّبِيِّينَ، وإني إن دَخَلْتُ الجنةَ كنتُ في منزلةٍ أَدْنى من منزِلتِكَ، وإن لم أَدْخُلْها لم أَرَكَ أبدًا.”
هذا المشهد الذي يكاد يُبكي الحجر، جاءت إجابته الإلهية لتطمئن كل محب:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء:69)

هذه الآية الكريمة فتحت الأفق على مصراعيْه، وأكدتها حادثة أخرى بكلمات كانت كالماء البارد على القلوب القلقة. أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبيَّ ﷺ عَنِ السّاعَةِ، فَقالَ: مَتى السّاعَةُ؟ قالَ: وماذا أعْدَدْتَ لَها. قالَ: لا شيءَ، إلّا أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسوله ﷺ، فقال النبي ﷺ في واحدة من أعظم البشائر: “أنْتَ مع مَن أحْبَبْتَ.” بهذه الكلمات تبدّد قلق الصحابة، وكانت كالماء البارد على قلوبهم، حتى قالوا: فَما فَرِحْنا بشيءٍ، فَرَحَنا بقَوْلِ النبيِّ ﷺ: أنْتَ مع مَن أحْبَبْتَ. رواه البخاري ومسلم
إنها المعادلة الذهبية: فالحبّ ليس عاطفة عابرة، بل عملٌ قلبي عميق يرسم مآلات الإنسان ويخفّف وطأة تقصير الأعمال. المرء مع من أحب يوم القيامة، كلمات مختصرة تحمل قانوناً كونياً في علاقتنا بالمصير.

سرّ الطمأنينة: “أنت مع من أحببت”

أنت مع من أحببت … هذه القاعدة تشير إلى مفهوم عميق: القلب ليس مجرد مضخة دماء؛ إنه بوصلة الآخرة. إنه يرسم لك خريطة الطريق إلى “زمرتك” يوم القيامة. يوم يُنادى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. (الزمر:73) كلمة “زُمراً” تكشف مشهداً مهيباً لعملية “فرز” كبرى. الناس يسيرون جماعات، كل جماعة تجمعها الروح والرؤية والوجهة. تماماً كما يقول المثل: “الطيور على أشكالها تقع”.
النَّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، خِيارُهُمْ في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهُمْ في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا، والأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَما تَعارَفَ مِنْها ائْتَلَفَ، وما تَناكَرَ مِنْها اخْتَلَفَ. تتآلف الأرواح في الآخرة وأنت لا تدخل الجنة وحيداً؛ بل تدخل مع زمرة تشبهك، أحببتها أو سرت على خطاها.

وهنا يأتي السؤال المرعب والجميل في آن واحد: مع أي زمرة ستُحشر؟

هنا نتوقف لحظة للمصارحة مع الذات بعيداً عن مثاليات الكتب. انظر حولك، افحص قائمتك المفضلة في قلبك، وفي هاتفك، وفي اهتماماتك اليومية: من هم الأشخاص الذين يذوب قلبك إعجاباً بهم؟ من الذين تتقاتل لأخذ “سيلفي” معهم، أو تدفع الأموال لحضور حفلاتهم، أو تسافر المسافات لرؤيتهم؟ إذا كنت تحب أهل الفجور، أو الذين يعيشون في ظلال المعاصي، وتجد متعتك في تتبع أخبارهم، فهذه إشارة تحتاج إلى مراجعة عاجلة، المسألة ليست تجميع أعمال فقط، بل هي هوية قلب! فاحذر قلبك قبل خطواتك.

حين يقصر العمل.. دع القلب يسبقك

قد يهمس لك الشيطان قائلاً: “أنت لست من أهل قيام الليل، ولست من حفظة القرآن، وصدقتك قليلة.. فما العمل؟ هل ضاعت فرصتي؟” نقول لك بصدق: لا تقلق! هنا تكمن عظمة الإسلام ورحمته. إذا قصرت جوارحك عن العمل، فدع قلبك يسبقك في الحب. إن لم تكن عالماً، فكن متعلماً. وإن لم تكن متعلماً، فكن مستمعاً. وإن عجزت عن كل ذلك.. فكن مُحباً.
كن مُحباً لأهل الخير: لا تسمح للشيطان أن يجعلك تعادي أهل الصلاح أو ينتقل شعور “التقصير” إلى كراهية وانتقاد لهم.
تمسك بهم بالحب: حبهم بصدق، وقل لربك: “يا رب، أنا لست مثلهم في العمل، لكنني أحبهم فيك، فاحشرني معهم.” القلب الصادق لا يعرف المجاملة. وما نحبّه اليوم هو من نُحشر معه غداً. تذكر القاعدة: (المرء مع من أحب).

نصيحة للقلب في زمن الفتن

إن أعظم ما ينجّي القلب في هذا الزمن كثرة المحبة لأهل الإيمان والصدق، مهما قصّر الإنسان في عمله. إن لم تستطع أن تلحق بزمرتهم في أعمالهم… فالحق بزمرتهم بحبّك لهم. احفظ قلبك من أن يميل إلى غيرهم. اسأل الله دائماً أن يجعل لك نصيباً من معيتهم، وإن لم تستطع أن تكون معهم عملاً… فكن معهم روحاً ومحبّةً وولاءً. فما أجمل أن يكون الحب طريق النجاة، و”بوصلة القلب” هي الدليل إلى الرفيق الأعلى.

دعاء الختام

اللهم امْلأ قلوبنا بحبّ من أحببت، وحبّ الصالحين، وحبّ القرآن وأهله. وأملأ قلوبنا بنور الإيمان، وأصرف عنها كل ميل إلى المعصية، اللهم اجعل لنا مع النبي ﷺ نصيباً في المعية، وارزقنا شفاعة الحبّ يوم يقصر بنا العمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى