القوات التي تقاتل في حرب الكرامة ..رؤية مستقبلية (الحلقة الأخيرة)

الفريق اول ركن
محمد بشير سليمان
يكتب عن :-
القوات التي تقاتل في حرب الكرامة .. رؤية مستقبلية (الحلقة الأخيرة)
————————
لعل من أبرز الاطروحات التي ظلت مجالا للاحاديث السياسية في عهد حكومة “قحت” الطرح المستمر لموضوع قومية القوات المسلحة وعقيدتها العسكرية . وقواعد الاشتباك . وهو ما جاء تركيزا في البروتوكولات الامنية لاتفاقية جوبا للسلام . لذا فإن هذه الحلقة سوف تتناول كل ذلك . مع ربطه بالقضايا الجوهرية الخاصة بكيفية تحقيق هذه القومية كهدف رئيس من أهداف مابعد الانتصار في حرب الكرامة . ودون تجاهل الأهداف الاخرى وبما يؤسس لبنا قوات مسلحة مسنودة بالقيم والاخلاق السودانية ، ومثبت بالدستور والقوانين واللوائح .
# نأتي وفي إطار الحديث عن قومية القوات المسلحة إلى ما جاء في عدة مواد فرعية من المادة “9” من بروتوكول الترتيبات الامنية لمسار دارفور ، والتي تقول بالتتابع .. “لتحسين قدراتها وفعاليتها وحياديتها .. ومتكاملة مع نص .. وقوات مسلحة تمثل تنوع السودان” ثم .. “يجب ان تركز الاصلاحات الامنية الشاملة وطويلة الاجل بشكل خاص على ضمان عدم ولاء القوات المسلحة السودانية والاجهزة الامنية الاخرى لاي حزب او مجموعة او قبيلة او جهة بل تكون موالية للسودان” .. ثم جاءت الإضافة التالية في إحدى فرعيات ذات المادة لتقول .. “يلتزم الطرفان بتعزيز التنوع السكاني والاجتماعي وسياسات تكافوء الفرص عند الالتحاق بالقوات المسلحة والاجهزة الامنية مع تطبيق مبدأ التمييز الايجابي لصالح المناطقةالمتضررة من الحرب” ، ولتطبيق ماورد أعلاه من خلال خطة الدمج والبناء التنظيمي للقوات المسلحة وفق ما يتم الاتفاق عليه أيضا في الاصلاح والتطوير والتحديث للقوات المسلحة وقوات الشرطة وجهاز المخابرات ، لابد من القيام بالاتي :-
* على كلا الطرفين وهو ما بالضرورة ان يشمل الأطراف الاخرى المشاركة في الحرب . بل من المفترض ان يشمل هذا كل السودان” .. ، تحديد المعايير التي يتم عبرها التنسيب للقوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات وبما يحقق القومية واستدامتها والتي لاتخرج من ان تكون واحدة من الآتي.. “الاختيار او التنسيب مربوطا بالاحصاء للمكونات الاثنية على مستوى السودان ، وهو اختيار بئيس ، ويقوي من مفهوم القبلية التي يعاني منها السودان في وحدته ، أو عن طريق الجغرافيا ، أي توزيع السودان جغرافيا ، او عبر اي خيار آخر يتم الاتفاق عليه بين الاطراف ، على أن يشمل ذلك الاختيار للكلية الحربية” .
* اما اذا تحدثنا عن مرحلة مابعد الحرب فلاشك انها ذات جزئين ، حيث نجد ان القسم الأول وهو الرئيس يتمثل في حجم القوات للحركات المسلحة عند توقيع البروتوكولات الامنية احصاء وهو يمثل الواقع الذي كان حين التوقيع بالرغم من الاختلالات الاجرائية والاخطاء التي صاحبت الفترة التمهيدية ، والمراجل اللاحقة للبروتوكولات الامنية ، ولكن لا مناص من ذلك ، كما سوف تبرز هنا معضلة كيفية معالجة مشكلةمن تم استيعابهم في القوات المشتركة عند الحرب , وهو ما يحتاج لاتفاق معالجة .
* كل ماسبق ذكره يظل مربوطا بالاحصائيات الدقيقة التي على القوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات تأمين الاحصائيات عن احجامها مع بيان التصنيف القومي ، أو يتم الاتفاق عليه لتحقيق المفهوم القومية الذي تمت الإشارة إليه في البروتوكولات الامنية . وان يتم أيضا تحديد حجم القوات المسلحة السودانية وقوات الشرطة وجهاز المخابرات وفق ما ينتج من الدراسة الاستراتيجية والعسكرية والتي يتم من خلالها معرفة مهددات وتحديات الأمن القومي الداخلية والاقليمية والدولية ، وبما يبنى عليه الحجم الملي للقوات المسلحة، والشرطة وجهاز المخابرات . ولا شك ان حرب الكرامة سوف تساعد الدراسة والتخطيط كثيرا ومن خلال ما اظهرته من مهددات الامن القومي ، وفي ذلك لعلها اصبحت واضحة كدروس مستفادة من حرب الكرامة .
* أيضا وقبل الدمج للقوات على الأطراف ذات العلاقة تحديد العقيدة العسكرية والتدريبية ، وتحديد شكل الانفتاح الاستراتيجي العام ، والذي يبني عليه توزيع القوات , هذا التوزيع الذي لابد من ان يكون قوميا ، بالرقم من التعقيدات المعلومة التي سوف تحدث عند التطبيق خاصة من قبل قوات حركات الكفاح المسلح ، إذ ليس هي بأفضل ممن سبقها من منسوبي حركة انيانيا 1 “حركة تحرير السودان” ، ومن الذي قامت به الحركة الشعبية /الجيش الشعبي لتحرير السودان ، رفضا لتنفيذ الانفتاح القومي .
# بالإضافة لما تم بيانه سابقا ، تبرز معضلة كيفية تحويل عقلية وذهنية ونفسية رجال حرب العصابات أو مقاتلي الحروب غير النظامية كمشكلة اساسية تحتاج لفكر ثاقب ورؤية علمية ووطنية شاملة . متبوعة ببرنامج سياسي عسكرى معنوي لتغييرها المفاهيم والاساليب التي تمت تغذيتهم بها ؛ وبما يحقق امكانية دمجهم في المجتمعين المدني ، والعسكري المحترف العامل في القوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات ، وذلك ما يحتاج لتخطيط شامل يصوب نحو التغيير في المفاهيم والقناعات والأهداف القومية المنشودة .
# يمثل التأمين المادي بكافة أنواعه مسنودا بالتأمين التقني ومتطلبات التدريب الحديثة البيئة الجاذبة والواقعية للمدمجين في القوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات لتسهيل الاستيعاب وتسريع التغيير الذهني والنفسي من خلال البرامج التي تستهدفهم سياسيا واجتماعيا بهدف تحويلهم من مفاهيم حرب العصابات ، والحرب غير النظامية إلى ادراك الاسس والمفاهيم التي يتم تنشئة وتربية وتدريب أفراد القوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات عليها من حيث البعد القومي وتعبية القتال بكافة اشكالها ، والمهم في هذا ايضا تغيير المفاهيم في مجال قواعد الاشتباك تجاوزا لما جرى من ممارسات تمت عند حرب الكرامة كدروس مستفادة وبما يجعل مفاهيمها وفقا للقيم التي بينتها الاديان ، وخير مثال لذلك النموذج الفريد الذي نجده في توجيه الخليفة أبوبكر الصديق رضي الله عنه حين وقف مودعا جيش اسامة بن زيد في حروب الردة حيث قال :- “ايها الناس اوصيكم بعشر فاحفظوها عني .. لا تخونوا . ولا تغلو ، ولا تغدروا ، ولا تقتلوا صغيرا ، ولا شيخا كبيرا ، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ، ولا تحرقوا ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ، ولا بقرة ، ولا بعيرا الا لمأكلة ، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا انفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا انفسهم له ، وسوف تقدمون على قوم يأتون بآنية فيها الوان الطعام فإذا اكلتم شيئا بعد الشيئ فاذكروا اسم الله عليه ، وتلقون اقواما قد فحصوا اوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاضربوهم بالسيف خفافا ، اندفعوا باسم الدين” ، والتعريف وقوانين الحرب بالقانون الإنساني ، ونوجز في هذا المجال موضوعات التغيير نحو القومية والسياسة الوطنية الجامعة ، وموضوعات التدريب العسكري وبما يحقق ما جاء في فقرة سابقة بشأن قومية القوات المسلحة . كما أن ذات ماسبق ذكره بدءا من المطلوبات المادية والتقنية توفيرا لاحتياجات المجموعات التي سوف تكون مسئولة عنها مفوضية ال DDR . كل ذلك يحتاج توفيره الى خطة يصعب دعمها من البيئة الخارجية التي تأثر موقفها سلبا تجاه الاتفاقية وبروتوكولاتها الامنية بعد قيام الحرب ، وتتمثل الموضوعات في المقترح الموجز والمتمثل في الآتي:- ..
* برنامج موضوعات وطنية ، سياسية ، واجتماعية واقتصادية وعسكرية أمنية، يتم التغيير فيه بين فترة زمنية واخرى ، يكون مستهدفا للحركات المسلحة والقوات الاخرى ، ويمكن ان يشمل الموضوعات هذه :- (الدولة السودانية .. النشأة والتكوين والتطور عبر التاريخ ، دور اقليمي النيل الازرق ودارفور “الممالك والسلطنات السودانية ، الممالك ودورها في هذا التاريخ ووحدة السودان” ، الوحدة الوطنية والمحتمع السوداني ودوره في مسار البناء الوطني من منظور قومي سلبا وايجابا ، تحليل فترة ما قبل وبعد الاستقلال السوداني ودور القوات المسلحة فيه .. محافظة على وحدة السودان .. مع بيان دور قوميتها في ذلك ، بيان مهددات وتحديات الامن القومي السوداني منذ الاستقلال مع التركيز على الفترة الحالية وما بعدها .. وكيفية الاحتواء ، وتأتي هنا اهمية بناء قوات مسلحة قومية ، قوية ورادعة عبر خطة الاصلاح والتطوير والتحديث وذلك ما جاء نصا في البروتوكولات الامنية لاتفاقية جوباللسلام . التنوير السياسي المستمر بما حققته اتفاقية جوبا للسلام لاطراف النزاع . بيان .. اسباب وتداعيات حرب الكرامة ومطلوبات التصدي لاستهداف الدولة السودانية . بيان .. كيفية ومطلوبات بناء السودان الحديث .. المعوقات والمعالجات .. ودور الحركات المسلحة بعد الدمج في هذا من خلال قومية القوات المسلحة . “مراعاة التغذية المستمرة لاذهان المدمجين بهذا عند فترات التدريب العسكري” . ان يشتمل التطعيم المعنوي خلال فترة التدريب العسكري الفردي والجماعي والمشترك على بعض المواضيع التي تم ذكرها سابقا وبما يمثل جزءا من مرحلة التحول الذهني والعقلي للمقاتلين من المفهوم الاقليمي الى رحاب القومية مع تحويل الولاء للوطن دون الاشخاص والمناطقية والقبلية تأكيدا على ان الذي يدافع عنه هو الوطن السودان وان يكون الهدف المطلوب إليه هنا ، “انا سوداني” ، ويعتبر قادة حركات الكفاح المسلح ومعاونيهم جزءا رئيسا في تحقيق هذا الهدف . وفي هذا تأتي ضرورة التعريف بالعقيدة العسكرية والتدريبية وقوانين الاشتباك للجيش السوداني ، مع الاتيان بأمثلة لذلك من المعتقد الاسلامي “تم”، وقوانين الحرب ، والقانون الانساني الدولي . التركيز على اختيارات الشعارات والجلالات ذات المعاني والقيم النبيلة والةطنية التي يتم ترديدها في التمارين الرياضية والتعبوية والتي يجب ان تكون ذات مدلولات قيمية تتحدث عن الوطن ووحدته ، وعن القومية وعن قيم القوات المسلحة وعن كافة الفضائل التي تدفع نحو التماسك الوطني ، اقامة الليالي والمهرجانات الثقافية ، والمنافسات والمهرجانات الرياضية ، ان تعد برامج اذاعة وصحيفة القوات المسلحة للدفع في اتجاه تغيير مفاهيم الحرب والتنازع المسلح والقبلية والمناطقية ، الى تقوية نسيج الوحدة والوطنية ، مع محاربة المفاهيم العنصرية ودوافع الحقد والكراهية بين مكونات مجتمع السودان) . لاشك ان فترات التدريب العسكري تمثل الحقل الجيد لتغيير المفاهيم الخاطئة لأفراد الحركات المسلحة عن كافة ما سبق تغذية نفوسهم به عن السودان كدوله وعن بعض المكونات كمواطنين اجتماعية ، والمهم هنا ان يكون السبق في هذا لقادة الحركات المسلحة وكافة معاونيهم ، وايصا مشاركة قادة الدولة على كافة المستويات ، وكذلك القادة الاهليين وقادة المجتمع كافة ، والعلماء بكافة تخصصاتهم ، واصحاب الخبرات ، وان يقود هذا اعلام وطني متجرد بناء لعملية وطنية جديدة .
# ختاما وقد وصلت إلى خاتمة هذه الحلقات متحدثا في حدود ما مكني الله عن “القوات التي تقاتل في حرب الكرامة .. رؤية مستقبلية” آمل أن أكون اصبت بعضا من الهدف الذي دفعني إليه طلبات من الكثير من اخوتي من الضباط المتقاعدين عبر حوارات كانت تدور بيننا عن حرب الكرامة ، ومن خلال حبهم لهذا الوطن السودان ، وخوفهم من سوء المآلات ، وايضا من أخوة اعلاميين كثر ما فتئوا يسألون عن موضوع هذه القوات وغيره من الكثير من المواضيع التي يرون بحكم مهنيتهم ضرورة أن تكون هنالك رؤية فيها وان كانت فهي ضبابية ، أملا ان اكون قد وفقت ولو بعضا حديثا ورأيا عن الموضوع ، الذي لا يمكن ان يكون الفصل فيه لرأي فرد واحد بحكم انه قضية شعب . أيضا ظلت مجموعات كبيرة تتساءل عن ذات الموضوع ومآلاته، كما هو شأن دولة ووطن ، يحتاج تمام الرأي فيه لرأي الجماعة من العلماء والخبراء ومراكز ومعاهد البحوث والدراسات افتاء في الرؤية تخطيطا للمستقبل ، وبالله التوفيق .
7 / أكتوبر 2025




