راي

شكر (النعمة) درر من (الأنوار السَّنيَّة) حصن وأمان..! 

شكر (النعمة) درر من (الأنوار السَّنيَّة) حصن وأمان..!

كتب /عبد الله احمد محمد دفع الله

في رحاب نعَمِ الله التي لا تُحصى، يُعتبر شكرُ النعمة مفتاح دوامها وزيادتها. إنّ امتنان الإنسان لما أنعم الله به عليه ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو قناعة قلبية تُترجم إلى أفعال، وتُشرق بها روح العبد في كل خطوة يخطوها نحو رضا خالقه.
في خضمّ أمواج الحياة المتلاطمة وتقلبات الأيام، وتيارات الأحداث ، يسطع لنا نورٌ هادٍ، يستمدّ إشراقه من معين الهدي النبويّ الشريف. نستنير في هذه السطور بفيض من كتاب “الأنوار السَّنيَّة في الأحاديث النبوية”، للشيخ الجليل والعارف بالله، الشيخ يوسف إبراهيم بقوي التجاني رضي الله عنه ، حيث يكشف لنا عن جوانب مضيئة من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم. ومن بين تلك الدرر النبوية التي تضيء لنا دروب السعادة والبركة، وتحصّننا من زوال النعم وتغيّر الأحوال، يبرز حديث شريف رواه الديلمي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول فيه النبي ﷺ: *”‌الحَمْدُ ‌على ‌النِّعْمَةِ ‌أمانٌ ‌لِزَوالِها “*.
إن هذا الحديث النبويّ ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو بمثابة دستور إلهي، ومفتاح لكنوز العطاء الربانيّ. إنه تذكيرٌ بليغ بأنّ الحمد والشكر لله تعالى على جزيل فضله وعظيم إحسانه هما الحصن المنيع الذي يحفظ النعم ويديمها، بل ويزيدها سعةً وبركةً. فالله جلّ جلاله هو المنعم المتفضّل، المعطي الكريم الذي لا تنفد خزائنه، وجوده يغدق على عباده بلا حدود.
بالمقابل، فإنّ الغفلة عن شكر الله على ما وهبنا من نعم، سواء كانت دينية كالهداية والتوفيق، أم دنيوية كالرزق والصحة، تفتح بابًا واسعًا لزوال تلك النعم وانحسارها. فكم من نعمة أدبرت وولّت بسبب الجحود والتقصير في حقّ المنعم! لذا، فإنّ الواجب علينا جميعًا، كلما أنعم الله علينا بنعمة ظاهرة أو باطنة، أن نسارع إلى تقييدها بالشكر الصادق، والاعتراف بالفضل لأهله سبحانه وتعالى. فهذا هو السبيل الأمثل لزيادة النعم واستدامتها، مصداقًا لقوله تعالى في كتابه الكريم: *﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾*.

*أهمية شكر النعمة وأركانها*:
يعبّر الشكر عن معاني عميقة من الرضا والتقدير، فهو يُجمل مفهوم الحمد والثناء على الله الذي وهبنا الخير بلا حدود. ويتجلى شكر النعمة في ثلاثة أركان أساسية:
1- شكر القلب: الاعتراف الداخلي بفضل الله وامتنانه على ما منحنا إياه من نعمٍ لا تُعدّ.
2- شكر اللسان: الثناء على الله بالحمد والثناء، فلكل كلمة شكر تخرج من اللسان أثرٌ يتغلغل في النفس.
3- شكر الجوارح: استخدام النعم فيما يرضي الله، إذ يصبح أداء الواجبات والعبادات بمثابة رد جميل لهذه النعم الثمينة.
باختصار: إنّ شكر النعمة، كمـا يضيء لنا “الأنوار السَّنيَّة”، ليس مجرد قول باللسان، بل هو عمل بالقلب والجوارح، واعتراف بالفضل، واستخدام للنعم في طاعة المنعم. فلنجعل من الحمد والشكر ديدنًا لحياتنا، وسياجًا يحفظ نعم الله علينا ويزيدها، وقد حذرنا الحق تبارك وتعالى من مغبة كفران النعم، وبيّن لنا كيف أن الأمم التي جحدت فضل الله عليها، ذاقت وبال أمرها، وحلّت بها النقم بعد النعم، كمـا قال تعالى: *﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾*، وقال عز وجل في معرض الذم: *﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾*. بل إن الله تعالى، في كرمه وجوده، يفتح لنا أبواب رحمته ورضوانه بالشكر والإيمـان، كمـا قال سبحانه: *﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾*.
إن القلب الذي يفيض بالشكر، هو قلبٌ يرى فضل الله في كل صغيرة وكبيرة، وهو قلبٌ جدير بأن يمنحه الله المزيد من فضله وإحسانه. فالسيد الحكيم، إذا رأى عبده قائمـًا بحق نعمته، عاملاً بمقتضاها، أهّله لنعمٍ أُخر، وإلا قطع عنه ذلك الفيض والجود.
وليس الشكر مقصورًا على النعم الظاهرة فحسب، بل إن حتى الشدائد والمحن التي قد تصيبنا في هذه الدنيا، تحمل في طياتها نعمًا خفية، ومنافع عظيمة قد لا ندركها في حينها. فكم من بلاء كان سببًا في تطهير النفس من الذنوب، ورفع الدرجات، وزيادة التوقير. فالبلاء قد يكون رحمةً مُبطّنة، يُضاعف الله به الأجر، ويُمحّص به السيئات، ويُبلغ به العبد مراتب الفضل والعُلى.
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

*قصصٌ تُنير البصائر*:
تتجلى أهمية الشكر في قصصٍ تُروى، تحمل في طياتها عبرًا ومواعظ بليغة. يُحكى أن ملكين نزلا من السماء، وشاء القدر أن يلتقيا في نهاية النهار. قصّ أحدهما على الآخر كيف أُرسل ليخسف بكنز رجل في المشرق، بينما أُرسل الآخر ليخرج كنزًا من باطن الأرض ويضعه في دار رجل فقير في المغرب.
لكن الأعجب من ذلك، ما رواه رضوان خازن الجنة، حيث أمره الله أن يُحصي عدد دراهم ودنانير الكنز الذي وُضع في دار الفقير، ثم يبني قصورًا في الجنة بعددها لصاحب الكنز الأصلي وللفقير الجديد على حد سواء. وعندما استفسر الملكان عن هذا التكريم العظيم، بيّن لهما الحق جل وعلا أن صاحب الكنز عندما خسف بكنزه، قال بقلبٍ راضٍ: “الحمد لله الذي جعلني راضيًا بقدره”. أما الفقير، فلم يفرح بالكنز فرحًا طاغيًا، بل نظر إلى فضل الله الأكبر وقال: “ما في خزائنه لا يحوجني إلى غيره”. لقد نظر كلاهما إلى فضل الله ورحمته قبل أي شيء آخر، وتذكروا قول الحق: *﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾*.
وفي قصة أخرى، يُروى عن ثلاثة من بني إسرائيل، أبرص وأقرع وأعمى، أراد الله ابتلاءهم. فأرسل إليهم ملكًا في صورة بشر. بدأ الملك بالأبرص، وسأله عن أحب الأشياء إليه، فتمنى جلدًا حسنًا ولونًا جميلًا. فمسحه الملك فشفى، ثم سأله عن أحب الأموال إليه، فاختار الإبل، فأُعطي ناقة عشراء. ثم أتى الأقرع، فتمنى شعرًا حسنًا، فمُسح فشفى، واختار البقر، فأُعطي بقرة حاملًا. وأخيرًا، أتى الأعمى، فتمنى أن يرد الله عليه بصره، فمسحه فبصر، واختار الغنم، فأُعطي شاة والدًا. فكان للأبرص وادياً من الإبل وللأقرع وادياً من البقر وللأعمى وادياً من الغنم. وبعد فترة، عاد الملك إليهم في صورة رجل مسكين محتاج. بدأ بالأبرص، وسأله بعيرًا يتوصل به في سفره، فتنكر الأبرص لفضله وقال: “الحقوق كثيرة”. وعندما ذكّره الملك بماضيه، جحد وقال: “إنما ورثت هذا كابرًا عن كابر”. فدعا عليه الملك بأن يعيده الله إلى ما كان عليه. وتكرر الأمر نفسه مع الأقرع. أما الأعمى، فعندما سُئل، تذكر ماضيه وقال: “قد كنت أعمى فردّ الله عليّ بصري وأعطاني هذا المـال. خذ ما شئت ودع ما شئت”. فقال له الملك: “أمسك عليك مالك. فإنما ابتليتم فرضي الله عنك وسخط على صاحبيك”. فمن جحد نعمة الله، فقدها.

*نعمٌ تحيط بنا ونحن غافلون*:
كم نغفل عن عظيم نعم الله التي تغمرنا في كل لحظة! لم يعلم قارون أن بطاقة السحب الآلي التي نحملها اليوم تغني عن مفاتيحه التي يعجز عن حملها الأشداء. ولم يعلم كسرى فارس أن الأرائك الوثيرة في بيوتنا اليوم أكثر راحة من عرشه. وقيصر الذي كان عبيده يحركون الهواء فوق رأسه بريش النعام، لم ينعم ببرودة المكيفات التي تلطف أجواء منازلنا. وهرقل الذي كان يشرب الماء من قنينة فخار ويحسده الناس على برودته، لم يشرب من برادات المياه النقية الباردة التي بين أيدينا. وحريف المنصور الذي كان عبيده يمزجون له الماء الحار والبارد ليستحم، لم يستحم يومًا تحت ماء نتحكم في درجة حرارته كما نفعل اليوم. ورحلة الحج التي كانت تستغرق شهورًا على ظهور الإبل، أصبحت لا تحتاج منا سوى ساعات معدودة في طائرات مكيفة ومريحة.
إننا نعيش عيشة لم يحلم بها الملوك والأباطرة في سابق العصور، ومع ذلك، كم منّا من يندب حظه ويشكو زمانه! كلما اتسعت العين، ضاقت النفس، وكأننا لم نسمع قول الحق: *﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾*. فكم بين أيدينا من نعمٍ لا نُحصيها، وكم على ألسنتنا من شكوى وجحود!
تذكر دائمًا أن الدنيا ساعة، فاجعلها طاعة. والنفس إن طمعت، فعودها القناعة. فالدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا كست أوكست، وإذا جلت أوجلت. كم من قبورٍ بُنيت ثم تُركت، وكم من مرضى عادوا إلى صحتهم، وكم من ملوكٍ رُفعت لهم علامات، فلما علوا ماتوا.
إن الزهد الحقيقي ليس في ترك الدنيا بالكلية، بل في عدم تعلق القلب بها، وفي شكر الله على ما رزق. يكفيك من الدنيا مصحف شريف تتلوه، وبيت لطيف تأوي إليه، ومتاع خفيف تستعين به، وكوب ماء تروي به ظمأك، ورغيف خبز تسد به جوعك، وثوب نظيف تستتر به.
العزة الحقيقية هي مملكة الأفكار السامية، والدواء الشافي تجده في صيدلية الأذكار. إذا أصبحت طائعًا لربك، وغناك في قلبك، وآمنًا في سربك، وراضيًا بكسبك، فقد حصلت على السعادة الحقيقية، ونلت الزيادة من فضل الله، وبلغت السيادة الحقة.
اعلم أن الدنيا خداعة لا تساوي هم ساعة، فاجعل سعيك فيها لله وطاعة. لماذا تحزن على دنيا فانية؟ أنسيت الجنان ذات القطوف الدانية؟
تذكر دائمًا أن الحزن يذهب بسجدة، وأن البهجة والفرحة تأتي بدعوة صادقة. الصحة والعافية إذا دامت جُهلت، وإذا فُقدت عُرفت قيمتها. فاشكر الله دائمًا على كل حال.
لا تستعجل القيام بعد السلام من الصلاة المكتوبة، فتلك من أعظم الأوقات التي تنزل فيها رحمة الله تعالى. استغفر ربك، وسبّح، واحمده، وهلّل، وكبّر، واقرأ آية الكرسي، وتذكر أنك في ضيافة الرحمن عز وجل. فإذا فرغت من صلاتك، فاجتهد في عمل الخير، وإلى ربك فارغب بقلبٍ خاشعٍ مُنيب.
فلنجعل شكر النعمة ديدنًا لنا، ولنستشعر فضل الله في كل ما نملك، لتدوم علينا النعم وتزداد، وننعم بالسعادة والرضا في الدنيا والآخرة.
المصدر: هذا المقال بحق درة من درر “الأنوار السَّنيَّة”، ويحمل في طياته رسالة قيمة تستحق التأمل والعمل بها في حياتنا اليومية. نسأل الله أن يجزيء *الشيخ يوسف إبراهيم بقوي التجاني* خير الجزاء على هذا العلم النافع، وأن يجعلنا من الشاكرين لنعمه في كل وقت وحين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى