راي

في ظلال ذي الحجة..!

في ظلال ذي الحجة..!

بقلم/  عبدالله أحمد محمد دفع الله
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

في أيامٍ يزهو فيها الزمان، وتتنزّل فيها البركات، وتصفو فيها الأرواح تحت ظلال العشر الأوائل من ذي الحجة، تهبّ علينا نسائم الرحمة، يطيب لنا أن نتوجه بالتهنئة الخالصة للأمة الإسلامية بحلول هذا الشهر الفضيل، شهر الحج والتضحية، سائلين المولى عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

نستقبل هذه الأيام المباركة بقلوبٍ يملؤها الإيمان، وندعو الله أن يُعيدها على أمتنا الإسلامية بالخير واليُمن والبركات، وقد تطهّرت النفوس، وتصافحت القلوب، وتآلفت الأرواح على حبّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والعمل بما يُرضي الله سبحانه وتعالى.

لقد عظّم الله عز وجل هذه الأيام، وأقسم بها في كتابه الكريم:{وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (الفجر:٢:١).
ورفع النبي صلى الله عليه وسلم من قدرها حين قال:(ما من أيامٍ العملُ الصالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام). رواه البخاري وغيره

إن العمل في هذه الأيام الفاضلة تتسع فيه دوائر الطاعات لتشمل كل أعمال الخير، ولا يقتصر على نوع معين. فكل صلاةٍ وصيامٍ وذكرٍ وتهليل، إلى صدقةٍ خفية، ومواساة حانية، وصلة رحم منقطعة، ومشاركة فرحة العيد، وإدخال السرور على قلوب المحتاجين، كل هذه الأعمال التي تضاعف أجورها وتُطهّر فيها القلوب، وتُرفع فيها الدرجات عند الله تبارك وتعالى.

فبينما يفرح الناس ويحتفلون، ينبغي لنا أن نلتفت إلي إخواننا ذوي الحاجة ونعينهم وندخل السرور عليهم حتى لا يكتئبوا ويحزنوا. فالإنسان إذا صام أو صلى أو قام الليل، فذلك يعود نفعه إليه وحده، ولكن إذا أعان غيره، أو كان سببًا في إعانته، أو أدخل السرور على مسلم، أو رفع عنه ضيقًا، فهذا من أحب الأعمال إلى الله من جميع الأعمال الأخرى.

*الإيثار والتضحية: دروسٌ متجددة*

ليس العيد مجرّد ذبحٍ للأضاحي، بل هو موسم لتجديد معاني الإيثار، وتقديم الغير، والبذل في وقت الشحّ، والتضحية في زمن الضيق. فمعنى التضحية الحقيقية هو الإيثار، أي أن تؤثر غيرك على نفسك. فالإيثار هو أن تضع حاجتك جانبًا، لتفرّج كربة أخيك، وأن ترى سعادة غيرك من تمام سعادتك.

هذا هو المعنى الأعمق للتضحية في الإسلام، وقد جسّده الأنصار حين وصفهم الله بقوله:
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9).
فما أجمل أن يُترجم الإيمان إلى مواقف، وأن يتحوّل الفرح الشخصي إلى فرحٍ جماعي، يشمل من حُرموا، ويصل إلى من قست عليهم الحياة. ففي أيام العيد، نسأل الله أن يتقبل منا أعمالنا، وأن يحنن قلوبنا على بعضنا، وأن يفتح قلوبنا على غيرنا، وأن يجعلنا من المسارعين إلى فعل الخيرات، والتاركين للمنكرات، والمحبين للمساكين. آمين.

*يوم عرفة: تجلٍ عظيم ومغفرة واسعة*

وفي هذا الشهر أيضًا يوم عظيم هو يوم عرفة. وهذا العام، بفضل الله، جاء الشهر موحدًا، حيث يوافق العيد يوم الجمعة في المشرق والمغرب، ويوم عرفة يوم الخميس. يوم عرفة هو يوم التجلّي الأعظم، حيث يتجلّى الله تبارك وتعالى بذاته وأسمائه وصفاته، فيغفر لكل مذنب. يقول المولى عز وجل في هذا اليوم: (أتوني شُعثًا غُبرًا ضاحين من كل فج عميق، أُشهدكم أني فقد غفرتُ لهم. فتقول له الملائكة: أي ربِّ فيهم فلان … يقول الله: قد غفرتُ لهم). رواه ابن خذيمة في صحيحه
ما أعظمه من نداء، وما أكرمها من مغفرة! إنه يوم الحِلْم، يوم العفو الإلهي الواسع، وإذا كان خالقنا ورازقنا والذي نعبده ونتضرع إليه يتصف بهذه الصفة العظيمة، صفة الحلم على مخلوقاته، فوجب علينا نحن أن نأخذ حظاً من هذه الصفة، وأن نكون حليمين غفورين رحمين. فمن اتصف بخُلُق واحد من أخلاق الله دخل الجنة.

*دعاءٌ من قلوبٍ مكلومة وأمةٍ موجوعة*

وفي خضمّ هذه الأيام الجليلة، لا ننسى ما حلّ بأمتنا من محن، وما أصاب بلادنا من نكبات، من انتهاك لحُرمة المساجد، وتدنيسٍ لقبور الصالحين، وخرابٍ لبيوتٍ عظّمها الناس عبر الأجيال.
إن الدعاء في يوم عرفة ليس ترفًا ولا نافلة، بل هو واجب على قلبٍ يعاني، نسأل الله تبارك وتعالى أن يدفع عنا هذا البلاء وهذه الشدائد، وأن يرد كيد الأعداء في نحورهم، سواء في الداخل أو الخارج. نسأل الله تبارك وتعالى أن يدافع عنا، فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا به. آمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى