راي

الجريمة.. حينما يسبق (الانحراف) الفعل..! 

الجريمة.. حينما يسبق (الانحراف) الفعل..! 

بقلم: د/ عبد الشكور حسن أحمد. المحامى

في سورة يس يقف النص القرآني أمام نموذج إنساني بالغ الخطورة، ليس لأنه منكر فحسب، بل لأنه يُفكّر بطريقة تُفضي إلى الانحراف والانجراف

. يقول تعالى:

﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُۥ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾.

هذه الآية لا تناقش قضية البعث فقط، بل تكشف عن آلية نفسية دقيقة: إنكار الحقيقة، ثم تبرير الانحراف، ثم إسقاط العجز الشخصي على الواقع. إنها خارطة ذهنية تسبق الجريمة قبل وقوعها.وهى المرحلة الفكرية او النية الآثمة او سوء القصد المسبق

أول ما يلفت النظر قوله تعالى: (ونسي خلقه) والنسيان هنا ليس غفلة، بل هو إلغاء متعمد للحقيقة الأصلية. فالإنسان الذي خُلق من عدم، يتنكر لأصل وجوده، وكأنه يعيد تشكيل الواقع وفق هواه ومستواه . وهذه هي أولى خطوات المجرم في علم النفس الجنائي: الإنكار. فالمتهم غالباً لا يبدأ جريمته باعتراف داخلي، بل بطمس الحقيقة أو إعادة تفسيرها.

ثم تأتي العبارة: (وضرب لنا مثلاً ) وهنا ينتقل العقل من الإنكار إلى مرحلة أخطر: صناعة الحجة الزائفة. إنه لا يكتفي برفض الحقيقة، بل يسعى إلى إقناع نفسه بمنطق مقلوب. وهذا ما تصفه الدراسات الحديثة بـ(التشوه المعرفي)، حيث يعيد الجاني تشكيل الواقع ليبدو فعله مبرراً، قل مشروعاً. كما فعل الجنجويد عند سرقة اهل السودان باعتبار انها غنائم يبرر فعله او يحاول ان يحلله

أما قوله: (من يحيي العظام وهي رميم) فهو ذروة الانحراف، إذ يقيس المطلق على المحدود، ويُسقط عجزه على الحقيقة. وهنا تتجلى واحدة من أخطر آليات التفكير الإجرامي: الإسقاط. فالمجرم كثيراً ما يعتقد أن القيم قابلة للانتهاك، وأن القانون مجرد عائق يمكن تجاوزه، لأنه هو نفسه مستعد لتجاوزه. عدم وجود اخلاق او ضمير انظر جرائم الجنجويد او قوات الدعم السريع المتمردة

في علم النفس الجنائي، نقرر أن المجرم لا يولد مجرماً، بل يتشكل عبر مسار واضح:

إنكار الحقيقة

تبرير السلوك

إسقاط العجز

تعطيل الضمير

والمتأمل في هذه الآية يجد أنها رسمت هذا المسار بدقة مدهشة.

البعد القانوني في الواقع السوداني

إذا انتقلنا من النص إلى التطبيق، نجد أن هذه البنية الذهنية تظهر بوضوح في القضايا الجنائية التى ارتكبتها الملشيا المجرمة بضمير ميت ودم بارد

كما في جرائم السرقة تحت المادة 174 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، كثيراً ما يتمسك المتهم بالإنكار، أو يدعي غياب القصد، رغم اكتمال الأركان القانونية.

وفي جرائم الاحتيال (المادة 178)، نجد التبرير حاضراً بقوة، حيث يتحول الفعل الإجرامي في ذهن الجاني إلى (معاملة مشروعة)، بينما هو في حقيقته خداع منظم.

أما في خيانة الأمانة (المادة 177)، فيعيد الجاني توصيف الاستيلاء على المال كأنه حق مكتسب، وهو ما يعكس تشوهاً إدراكياً واضحاً.

وتبلغ هذه الحالة ذروتها في الجرائم المنظمة، مثل:

الاتجار بالبشر

تهريب المهاجرين

حيث يبرر الجناة أفعالهم بأنها (مساعدة للآخرين) بينما هي في حقيقتها استغلال قاسٍ للضعف الإنساني.

غياب استحضار العواقب

من ينكر البعث ينكر الحساب، ومن يعتاد الإنكار في الواقع يتصرف وكأنه بمنأى عن العقوبة. وهنا تظهر مشكلة جوهرية: أن الردع القانوني وحده لا يكفي، إذا لم يُعالج الخلل في التفكير.

 

إن أخطر ما في جرائم الدعم السريع المتمردة ليس الفعل ذاته، بل العقل الذي يبرره. فاليد لا تسرق إلا بعد أن يقنعها العقل، ولا يُرتكب الظلم إلا بعد أن يُعاد تعريفه داخلياً.

بانهم مهمشون دولة( 56)

دولة الجلابة

 

إن النص القرآني يكشف حقيقة سبقت العلوم الحديثة:

( الجريمة لا تبدأ من مسرح الحادث… بل تبدأ من فكرة خاطئة لم تُصحح.)

 

 

ومن هنا، فإن السياسة الجنائية الرشيدة تقوم على …..

تصحيح الفكر

بناء الضمير

تعزيز الوعي القانوني

عدم الافلات من العقاب

………..

حين نقرأ واقعنا، نجد أن كثيراً من الجرائم لم تبدأ بالحاجة، بل بدأت بفكرة مبررة.

فمن ينسَ أصله، يسهل عليه أن يبرر خطأه…

ومن يبرر خطأه، قد يتحول إلى مجرم دون أن يشعر.

 

والله المستعان

فى حلقة أخرى مع اية اخرى باذن الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى