راي

جيت اوصيك لما ارحل..

جيت اوصيك لما ارحل.. 
تبقي عشرة على ديارى

رحل الصوت وبقي الصدى… وغاب الجسد وبقي الحنين.
الفنان السوداني مجذوب أونسة لم يكن يغني الكلمات فقط، بل كان يعيشها قبل أن ينطق بها، ولذلك جاءت هذه الأغنية وكأنها رسالة وداع مبكرة، كتب فيها نعيه بيده وصوته ودمعه.
إنها ليست مجرد أغنية عن السفر، بل قصيدة رجل كان يشعر أن الرحيل يقترب، فوقف يوصي الوطن والأهل والنيل والطيور، وكأنه يودع الحياة كلها في هدوء العارفين.

حين قال:
﴿جيت أوادعك يا قماري… ما خلاص شدِّيت رحالي﴾
لم يكن الرحيل هنا سفر إنسان من مدينة إلى أخرى، بل رحيل الروح من الدنيا. كلمة «شدِّيت رحالي» تحمل يقين المسافر الأخير الذي لا يعود سريعاً، وكأن مجذوب أونسة كان يرى نهايته بعين الفنان المرهف.

ثم يقول:
﴿جيت أوصِّيك لما أرحل… تبقي عشرة على دياري﴾
وهنا تظهر عظمة الإنسان السوداني الأصيل؛ فالراحل لا يفكر في نفسه، بل يوصي على الديار والأهل. كأنه يخاطب الطيور والناس والوطن معاً: لا تنسوا البيت بعدي، لا تتركوا الذكريات تموت.

وعندما قال:
﴿كل يوم أدِّيها طلَّة… وقوقي لي أمي وصغاري﴾
تحولت الأغنية إلى مشهد إنساني بالغ الحزن. رجل يخشى أن يغيب صوته عن أمه وأطفاله، فيستودعهم الطيور والقماري. وهذا أصدق ما في الفن الحقيقي؛ أن يكون نابضاً بحب الأسرة والدفء والخوف من الفراق.

أما قوله:
﴿طيري للنيل كلميهو… يسقي بستاني وخضاري﴾
فهو حديث العاشق لوطنه. النيل عند السودانيين ليس مجرد ماء، بل ذاكرة وهوية وروح. كأن الفنان يعلم أن جسده سيرحل، لكن أرضه تحتاج للمطر والحياة بعده. حتى البستان والخضرة لم ينساهم في وصيته الأخيرة.

ثم يأتي البيت الأكثر وجعاً:
﴿وقولي لي المشتاق وراي… الرحيل ما بي اختياري﴾
وهنا تبلغ القصيدة ذروة النبوءة. إنه اعتذار الراحل لمن يحبهم: لم أترككم بإرادتي. الموت ليس خياراً، وإنما قدر يختطف حتى أصحاب الأصوات الجميلة والقلوب البيضاء.

ويقول بعدها:
﴿الوطن العشت فيه… ليه حققت انتصاري﴾
فهو لا يرى النجاح في المال أو الشهرة، بل في الانتماء للوطن. انتصاره الحقيقي أنه عاش سودانياً محباً لأرضه وأهله وفنه.

وحين أنشد:
﴿عايزه يقوى وعايزه يبقى… زي نجم ضوَّاي وساري﴾
كان يحلم بوطن قوي مضيء لا تنطفئ أنواره، تماماً مثل صوته الذي ظل يسري في وجدان الناس سنوات طويلة.

أما قوله:
﴿والتراب الفيه روحي… ليه بشتاق أنا يا قماري﴾
فهو اعتراف العاشق الأخير. الإنسان قد يغادر وطنه أو حياته، لكن التراب الذي يحمل روحه يبقى يسكنه إلى الأبد.

ثم ختمها بأكثر الأبيات تأثيراً:
﴿ياني يا نيل ليك راجع… منك أشرب وأطفي ناري﴾
وكأنها أمنية العودة الأخيرة… العودة إلى الأصل، إلى النيل، إلى السودان، إلى الرحمة الإلهية الواسعة.

لقد رحل مجذوب أونسة، لكن صوته ما زال يشبه دعاءً سودانياً قديماً يخرج من ضفاف النيل وقت المغيب.او صوت نأى بعيد بعيد
رحل صاحب الصوت الشجي الملائكي الحنين، وترك خلفه أغنية أصبحت اليوم مرثية لنفسه، وكأن الفنان كان يكتب نهايته بأوتار قلبه قبل أن يكتبها القدر.
نسأل الله أن يغفر له ويرحمه، وأن يجعل فنه الطيب وذكراه الجميلة في ميزان حسناته.

والله المستعان
عبدالشكور حسن احمد
المحامى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى