راي

حينما  تتغير المعاني وتتبدل القيم ..!

حينما  تتغير المعاني وتتبدل القيم ..!

بقلم/ عبدالله أحمد محمد دفع الله

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتبدّل فيه المفاهيم، نحتاج أن نتوقّف قليلاً، وأن نلتقط أنفاسنا ونُمعن النظر فيما آل إليه حالنا. لقد تغيّرت المعاني، وتبدّلت القيم، حتى كأننا نعيش في عالمٍ آخر، لا يُشبه تلك الأيام التي كانت فيها الإنسانية نبض الحياة.

كانت البيوت بسيطة من طين، تستند جدرانها على قلوبٌ تنبض بالمحبة والرحمة والحنين. كانوا يقولون: “البيوت من طين، والقلوب من ذهب”، وكانوا صادقين. كانت الدار وإن ضاقت، تتّسع للجيران، والضيوف، وابن السبيل. لم يكن أحد يُسأل: من أنت؟ أو من أين أتيت؟

كانوا يفتقرون إلى المال، لكن لا يفتقرون إلى الدفء والمحنّة. لم يكن البُخل معهم صديقاً، ولم يكن الوجع يُواجه وحيداً، فكلّ قلبٍ كان يتّسع لآلام الآخرين. يفترشون الأرض، لكن يجلسون على عروش من الأخلاق، ووسائدهم دعوات الجدّات وهمسات الأمهات.

في تلك الأيام، لم تكن السعادة رهينة حسابات مصرفية، ولا الحب مرهونًا بهدايا باهظة. كانت الأيادي تمتد قبل الألسنة، والجيران يطرقون الأبواب ليطمئنوا لا ليطلبوا. كان المرض يُقسَم بين الأهل والأحباب، والفرح يُوزّع بالتساوي على البيوت. ضحكات الأطفال كانت تملأ الأزقة، حرة طليقة، لا تقيدها شاشات، ولا تطفئها عزلة.

*بيوت من رخام… وقلوب من حجر*

واليوم، نعيش في بيوت من الرخام والذهب، تتلألأ في عيون الناظرين، لكنها غالبًا ما تسكنها قلوب متحجرة، خالية من دفء المودة وصدق العُشرة. مفارقة مؤلمة: كبرت المنازل وصغرت النفوس. تعددت الطوابق، وانهارت الأسر. تقدم الطب، وتراجع الإحساس بالإنسان. وصلنا إلى القمر، ونسينا أقرب جار لنا على الأرض. زاد المال، وتلاشت راحة البال. ارتفع الذكاء، وقلت الحكمة الإنسانية.
تعدّدت المدارس وانتشرت الجامعات وضاعت التربية. ازداد التعليم وقلّ الأدب والاحترام والأخلاق التي تُعلي شأن الإنسان. اتسعت المعرفة وضاقت صدورنا بمن حولنا، وكأن العالم الافتراضي أصبح بديلاً عن دفء العلاقات الإنسانية.

لقد أحسنا صناعة الحياة المادية، وأسأنا فهم الحياة الإنسانية. باتت الأرواح متعبة من الزيف، والقلوب متحجرة من كثرة الخذلان. نعيش في زمن صاخب بالصوت… فارغ من المعنى. نجيد استخدام الهواتف، لكننا لا نجيد الإصغاء لمن نحب. نعمل لساعات طويلة لتأمين المستقبل، وننسى أن نعيش لحظة واحدة من الحاضر بصدق وامتنان. نضحك كثيرًا أمام الشاشات، ونبكي كثيرًا خلفها.

*أين بوصلة الإنسانية؟*

ما الذي جرى؟ كيف هانت على الإنسان إنسانيته؟ كيف صارت الحياة أكثر حداثة، وأقل دفئًا؟ كيف انشغلنا عن بعضنا ببعضنا؟ حتى باتت الكلمة الطيبة تقال نادرًا، والابتسامة الحقيقية تمنح على استحياء. فهل نملك الجرأة للعودة؟
العودة إلى القيم التي جعلت من البساطة مجداً، ومن الكرم وسيلة عيش، ومن الحُبّ أسلوب تربية؟
في خضم هذا التيه، نحتاج إلى إعادة تعريف الإنسانية، إلى استعادة الرحمة، إلى بناء بيوت يسكنها الدفء، لا الترف. نحتاج أن نُعيد ترتيب أولوياتنا: أن نُربّي قبل أن نُعلّم، أن نُحبّ قبل أن نُنظّر، أن نُصافح بقلوبنا لا بأيدينا فقط.

*الزمن: معلّم وقيّم*

لكن لا زال في الأفق أمل والزمن لا يرحل وحده نحن نرحل معه. وإذا تأمّلنا الزمن، وجدنا أنه سلسلة من ثلاث محطات: ماضٍ نُودّعه، وحاضرٍ نعيشه، ومستقبلٍ ننتظره.

فالماضي ليس مجرّد ذكريات نطويها، بل هو مدرسة عامرة بالدروس والعبر. هو الذاكرة التي تُعيدنا إلى جذورنا، والنبض الذي يُذكّرنا بمن نحن. فلنتعلّم من أخطائنا السابقة، ونسترجع منه صفاء المشاعر، وصدق العلاقات، وبهجة البساطة. ولا نحبسه في صدورنا حسرة، ولا نجعله سجنًا نحيا فيه، بل منارة تُضيء لنا الطريق.

أما الحاضر، فهو اللحظة الوحيدة التي نملكها بالفعل. هو المنصة التي نعيد عبرها بناء ما تهدّم، ونجبر فيها الخواطر، ونزرع بذور الخير. إنه وقتنا لنحبّ بصدق، ونتسامح بعمق، ونعيش بشرف. هو الساعة التي إن أحسنا استغلالها، بنينا مستقبلًا أكثر نورًا وطمأنينة. فكم من لحظة عابرة صنعت فارقًا! وكم من كلمة طيبة أنقذت قلباً، وأحيت روحاً!

أما المستقبل، فهو المساحة الرحبة التي نحلم بها، ونعمل من أجلها. إنه الامتداد الطبيعي للحاضر، فإن كان الحاضر نقيًا، كان المستقبل زاهرًا. فلنخطط له لا بخوف، بل بأمل. لا بوهم، بل بعمل. هو الأمل المعلّق في السماء، الذي لا يُمكن بلوغه إلا على سلّم الصبر والاجتهاد وحسن الظن بالله. ولن يكون الحاضر نافعًا، ولا المستقبل مشرقًا، ما لم نحسن فهم الماضي، ونعقل دروسه، ونحفظ نعمه.

*تأمل:*

حين نتذكر خطأ ارتكبناه في الماضي، ونصحّحه اليوم، نكون قد وضعنا لبنة في بناء المستقبل. وحين نُخلص في أعمالنا، ونُحبّ بصدق، نكون قد استثمرنا في الحاضر لأجل غدٍ أجمل. وحين نحلم بغدٍ أفضل لأولادنا، ونزرع فيهم القيم لا الأوهام، نكون قد فهمنا رسالة الزمن.

*العودة إلى الإنسان: دعوة من القلب*

ليست المشكلة في أن تتطور الحياة، بل في أن نتخلّى نحن عن القيم التي تجعل الحياة تستحق أن تّعاش. نحن لا نحتاج إلى بيوت أكبر، بل إلى قلوب أوسع. لا نحتاج إلى هواتف أحدث، بل إلى كلمات أصدق. لا نحتاج إلى سرعة في الوصول، بل إلى صدق في النوايا.

فلنُعد صياغة أرواحنا، لا من ذهب ولا من طين، بل من رحمة، من إنسانية، من نور الله الذي يُحيي القلوب. ولنؤمن أن الكلمة الطيبة، والنظرة الحنونة، والنية الصادقة… هي ما تصنع الفرق الحقيقي في هذا العالم.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. هذه الآية تذكرنا بقيمة الإنسان ومكانته التي خلقه الله عليها، والتي ينبغي أن يحافظ عليها بأخلاقه وقيمه.

وجاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (رواه مسلم). هذا الحديث يؤكد أهمية التراحم والتعاطف والتآزر بين الناس، وهي من أسمى معاني الإنسانية التي غابت في زحام المادية.

نسأل الله العفو والعافية، ونسأله أن يُلهمنا طريق العودة، لا للماضي، بل للمعاني التي تاهت من بين أيدينا. وأن يعيد إلى قلوبنا الرحمة، وإلى أرواحنا الطمأنينة، وإلى علاقاتنا الإنسانية معناها الأصيل. فلا نريد أن نعيش في قصور خاوية، بل في بيوتٍ يسكنها الحب والسكينة والسلام.

هل ترى أننا ما زلنا نملك القدرة على استعادة هذه القيم في عالمنا المعاصر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى