(ترعة الكرامة) .. تفويض شعبي.. وارادة سياسية..! الحلقة (٤)

(ترعة الكرامة) .. تفويض شعبي.. وارادة سياسية..!الحلقة (٤)
كتب /مبارك محمد آدم (مستشار قانوني)
سد النهضة الحلقة الرابعة
ضرورة الشرعية لمواجهة التحديات الكبرى
إن معالجة الأزمة الوطنية الكبرى المتمثلة في تهديد سد النهضة تتطلب أكثر من مجرد إرادة سياسية؛ إنها تتطلب قوة سياسية راسخة وشرعية شعبية واسعة. لا يمكن لأي مشروع قومي ضخم وحيوي مثل “ترعة الكرامة” أن يُنفذ بنجاح دون وجود هيئة تشريعية تحظى بتفويض شعبي حقيقي. هذه الهيئة هي التي ستمتلك الصلاحية لمنح الشرعية للحكومة الانتقالية، وإقرار الميزانيات التنموية، ومعالجة قضية توحيد القوات، واكتساب القدرة على مجابهة العدوان الدولي الخارجي.
واقع الشرعية التشريعية في الوضع الراهن
الظروف الراهنة في السودان تحتم علينا تبني نموذج بديل وفعال للوصول إلى هذا التفويض، بعيداً عن الانتخابات المباشرة غير الممكنة حالياً:
الوضع الراهن: لا يمكن إقامة برلمان شعبي قائم على الانتخاب المباشر في ظل الظروف الأمنية الراهنة ووجود ملايين النازحين.
الحل الانتقالي: تقتضي الضرورة الوطنية تبني نموذج التعيين التوافقي لتشكيل هيئة تشريعية مؤقتة، يتم فيها استقطاب وتمثيل أوسع للقوى الشعبية والقطاعية، لملء الفراغ التشريعي وتحصين قرار الدولة.
الوضع المثالي: يتطلب الاقتراع العام السري المباشر، وهو غير ممكن حالياً.
الواقع الانتقالي: يتمثل الحل في نموذج التعيين التوافقي، حيث تُشكل الهيئة التشريعية المؤقتة عبر التوافق بين القوى الفاعلة لإرساء قاعدة قانونية مؤقتة.
كيفية بناء البرلمان الشعبي (نموذج التكوين المتصاعد)
لتشكيل هيئة ذات تفويض شعبي واسع ومقبول، نعتمد على آلية التمثيل بالاستقطاب والتوافق الترشيح القائم على التوافق أو نموذج التعيين التوافقي. (Consensus-Based Nomination) كبديل عملي للانتخابات المباشرة.
أ. أساس التفويض (المشاركة الموسعة)
بدلاً من الاعتماد على الأحزاب السياسية وحدها، يتم توزيع مقاعد البرلمان المؤقت على أساس التمثيل الجغرافي والقطاعي والاجتماعي، لضمان تمثيل أوسع قاعدة شعبية:
• التمثيل الإقليمي/الولائي: مقاعد مخصصة لممثلي الأقاليم السودانية (الولايات)، يتم اختيارهم عبر مجالس شورى أو لجان إقليمية ذات صلة.
• التمثيل المهني والاجتماعي: مقاعد مخصصة لـ اتحادات المهن، لجان المقاومة، النقابات المهنية (الأطباء، المهندسون، المزارعون)، والقيادات الأهلية (المُدنية). التركيز على المتقاعدين من الإداريين المميزين (يجب ان يستدعى الشعب السودانى كل خبراته للتأسيس السياسى
• المساواة النوعية (الكوتا): تخصيص نسبة محددة لتمثيل المرأة والشباب لضمان شمولية التفويض.
ب. آلية التعيين والإقرار (منح الشرعية)
1. الترشيح من القاعدة: يتم ترشيح الممثلين من قبل هيئاتهم القطاعية أو الإقليمية.
المصادقة (Ratification): تفعيل الشرعية: المصادقة ومنح الثقة
والبدأ في التاسيس لسلسلة منطقية للشرعية:
1. الشرعية من القاعدة: توليد الممثلين من الأقاليم والقطاعات (البرلمان الإقليمي
2. الشرعية الوطنية: تجميع الممثلين في البرلمان القومي.
3. الشرعية التنفيذية: منح الثقة للحكومة الانتقالية.
ترتيب المهام الإجرائية للبرلمان القومي
بعد اختيار أعضاء البرلمان القومي، تكون أول خطوة على جدول أعماله هي:
الأهمية والهدف الإجراء الخطوة
تحويل الشرعية من القوة العسكرية والتوافق السياسي إلى شرعية دستورية وقانونية عليا. إقرار العقد الدستوري المؤقت (Charter) الذي ينظم الفترة الانتقالية ويحدد سلطات الحكومة الانتقالية. أولاً: المصادقة (Ratification)
إضفاء الشرعية الشعبية الكاملة على الحكومة، لتتمكن من مباشرة مهامها التنموية والقومية (مثل مشروع ترعة الكرامة) دون تحديات حول تفويضها. منح الثقة للحكومة الانتقالية الحالية (رئيس الوزراء والوزراء). ثانياً: منح الثقة (Vote of Confidence)
تحصين الدولة داخلياً وتوحيد القرار الأمني والاقتصادي لمواجهة التحديات الخارجية، وعلى رأسها أزمة سد النهضة. الإجراء ثالثاً: المراجعة والتشريع
خلاصة القوة السياسية
إن إلزام البرلمان الشعبي الجديد بالمصادقة الفورية على الحكومة الانتقالية يغلق الباب أمام الفراغ الدستوري ويضمن أن الحكومة تبدأ فترة حكمها الانتقالي وهي مسلحة بتفويض شعبي يوازي قوة التفويض العسكري الذي اكتسبته في حرب الكرامة. هذا هو الأساس السياسي والشعبي المتين الذي تحدثنا عنه سابقاً.
هذا النموذج يمنح الحكومة تفويضاً شعبياً مؤقتاً وموثوقاً، ويشغل الفراغ التشريعي، وهو ما يمثل القوة السياسية والشرعية الشعبية اللازمة لبدء المشاريع القومية الكبرى وقيادة مفاوضات أزمة سد النهضة بموقف قوي وموحد.
ثانياً: ربط التشريع بالإصلاح الأمني والاقتصادي (الجيوش الثلاثة)
يجب أن تكون الأجندة التشريعية للبرلمان القومي واضحة وتخدم هدفين استراتيجيين:
1. الشرعنة والتوحيد: منح الشرعية القانونية والدستورية للحكومة الانتقالية.
2. التشريع للدمج الاقتصادي: التشريع الفوري لإعادة هيكلة القوات والمستنفرين ومكافأتهم من خلال إنشاء:
الجيش الأول: الجيش السوداني الحالي (القوة العسكرية الأساسية).
الجيشان الثاني والثالث (الجيوش الاقتصادية): تتكون من القوات المشتركة والمستنفرين الذين أنجزوا الحرب. تكون هذه الجيوش قوة عسكرية عالية التدريب ولكنها تعمل في مجال الاقتصاد التنموي في المناطق الملتهبة (مثل مشروع الفشقة الزراعي المروي بالترعة). هذا يضمن مكافأة المشاركين وحل قضية دمج القوات بتوجيه طاقتها إلى البناء والإنتاج.
ثالثاً: المفاضلة بين المدة الانتقالية (5 سنوات أم 10 سنوات)
لتحديد المدة المثلى (5 سنوات أو 10 سنوات)، يجب الموازنة بين الحاجة الأمنية/الاقتصادية و التطلعات الديمقراطية:
المعيار فترة 5 سنوات فترة 10 سنوات
المزايا الاقتصادية كافية لبدء المشاريع العملاقة (مثل ترعة الكرامة) وتوحيد الهيكل الحكومي. الأفضل للبناء والتنمية: تمنح وقتاً كافياً لإكمال مشاريع البنية التحتية العملاقة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي قبل التحول السياسي.
مخاطر استعادة الاستقرار قد لا تكون كافية لدمج جميع القوات المسلحة وإعادة توطين النازحين وضمان أمن الحدود. أكثر أمانًا: توفر وقتاً كافياً للجيوش الاقتصادية لإحداث فرق ملموس في التنمية وتثبيت الأمن.
الشرعية والتطلعات السياسية فترة معقولة ومقبولة دولياً. صعبة القبول شعبياً/دولياً: قد تُفسَّر على أنها محاولة لتثبيت الحكم العسكري أو تمديده، مما قد يثير معارضة ويُعرقل الدعم الدولي.
النتيجة والترجيح:
الخيار الأفضل هو الجمع بينهما (5 + 5) مع آلية ضمان:
1. المدة الأساسية (الواقعية): خمس سنوات (5). تُمنح كفترة انتقالية كاملة للإنجاز الاقتصادي الأولي والتسريع في توحيد القوات وتأسيس الجيوش الاقتصادية.
2. شرط التمديد: يتم النص في العقد الدستوري على إمكانية التمديد الإلزامي لمرة واحدة (لمدة 3-5 سنوات إضافية) بقرار من البرلمان القومي إذا لم يتم استيفاء شروط أمنية أو اقتصادية محددة (مثل: تأمين الحدود بالكامل، أو بدء الإنتاج الفعلي في مشروع الفشقة).
هذا يضمن أن المدة لا تُفسَّر على أنها استيلاء على السلطة، وفي الوقت نفسه يمنح المشروع الوقت الكافي لإكمال البناء الاقتصادي العملاق.




