راي

حينما يصبح سؤال الآخرة محور الحياة..،!

حينما يصبح سؤال الآخرة محور الحياة..،! 

بقلم/  عبدالله أحمد محمد دفع الله

في زحمة الحياة اليومية حيث المسؤوليات والانشغالات، نركض خلف الرزق، وننشغل بتربية الأبناء، ونخطط للمستقبل…
تدور في رؤوسنا أفكار لا تتوقف، حتى تكاد تستنفد طاقتنا بالكامل، وتُبعدنا دون أن نشعر عن التفكير في ما هو أعظم وأبقى.
وسط هذه الزحمة، يمرّ بخاطرنا سؤال يبدو خفيف في ظاهره، لكنه في حقيقته أثقل من كل ما نحمله من هموم.
سؤال لا يشبه غيره من الأسئلة، لأنه لا يُطرح ليُنسى، بل ليُغيّر كل شيء.
إنه السؤال الذي، إن استقرّ في القلب بصدق، أعاد ترتيب أولويات الحياة، ومنح الإنسان ميزاناً جديداً يقيس به النجاح والخسارة، الربح والفقد، السعي والغاية. ذلك لأن الجواب عليه ليس دنيوياً مؤقتاً، بل هو الذي يرسم المصير الأبدي: إمّا نعيمٌ لا ينفد، أو شقاءٌ لا يُحتمل.
إنه السؤال الجوهري: ماذا لنا عند الله يوم القيامة؟ وماذا أعددنا للقاء الله؟
هذا السؤال ليس فكرة عابرة، بل هو قضية العمر بأكمله. يستحق أن نقف عنده طويلاً، أن نعيد من خلاله النظر في اتجاهاتنا، وأهدافنا، وحقيقة ما نسعى إليه.
فحين تتضح الإجابة، يطمئن القلب أن كل تعبٍ في الدنيا لم يكن عبثاً، وأن كل جهد كان استثماراً في ربحٍ لا يزول.

ومن أروع المشاهد التي نقلها لنا التاريخ، ذلك اللقاء الذي جمع بين الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، وهو في أوج سلطانه، والعالم الزاهد أبي حازم سلمة بن دينار، بعد أداء مناسك الحج في المدينة المنورة.

لم يكن لقاءً رسمياً عابراً، بل كانت لحظة صدق نادرة. تأمل في هذا المشهد جيداً، حاكم تهابه الأمم، ويملك من القوة ما يجعل كلمته نافذة، يقف متواضعاً أمام رجل زاهد لا يملك من زخارف الدنيا شيئاً، ليسأله سؤالاً بسيط اللفظ، عظيم المعنى: يا أبا حازم، ماذا لنا عند الله يوم القيامة؟

جاء الجواب مختصراً، لكنه يحمل منهج حياة كامل: اعرض نفسك على كتاب الله.
وحين تساءل الخليفة: وأين أجد ذلك؟ تلا عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣-١٤).

فلما سمع الخليفة سليمان هذه الآية، ارتجف قلبه، وقال بلهفة الصادق الخائف: فأين رحمة الله؟
فأجابه أبو حازم بآية تفتح أبواب الرجاء: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: ٥٦).

في هذه الإجابة الحكيمة حياة كاملة من الأمل. فحين ننظر إلى أنفسنا ولا نجدها بين صفوف الأبرار الكاملين، يبقى أمامنا طريق آخر لم يُسدّ: طريق الإحسان.

إنه الجسر الذي يعبر عليه المقصّرون والخطّاؤون نحو رحمة الله الواسعة، في يومٍ تشخص فيه الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر.

كثيرون يظنون أن الإحسان عمل عظيم لا يقدر عليه إلا أصحاب الأموال الكثيرة أو القدرات الاستثنائية، لكن الهدي النبوي بسّط هذا المفهوم وجعله متاحاً لكل إنسان، في أي وقت وأي حال: إنه أسلوب حياة.

أن تحسن في عبادتك، فتعبد الله كأنك تراه. أن تحسن إلى والديك، برّاً ورفقاً ورحمة. أن تحسن إلى زوجتك وأبنائك، دعماً واحتواءً وحناناً. أن تحسن إلى من حولك: جار، زميل، عامل بسيط، محتاج، يتيم. أن تحسن بكلمة طيبة، بابتسامة صادقة، بمواساة قلبٍ مكسور، أو بإصلاح ذات البين. أعمال قد تبدو صغيرة في أعين الناس، لكنها عظيمة عند الله.

ومن أجمل الأمثلة النبوية في هذا الباب، حديث الرجل الذي رأى غصن شوك يؤذي المارة في الطريق، فأزاله ابتغاء وجه الله، فشكر الله له وغفر له. وتأمل… مجرد غصن صغير في طريق. لكن الله نظر إلى القلب الذي حمل صاحبه على إزالة الأذى عن المسلمين.

ومثله حديث الرجل الذي أثقلته الذنوب، فرأى كلباً يلهث عطشاً، فنزل بئراً وملأ خفّه ماءً، وصعد به بمشقة ليسقي الكلب. فعل بسيط في نظر الناس، لكنه كان سبباً في مغفرة الله له ودخوله الجنة.
إنها قاعدة ربانية ثابتة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧).
لا يضيع عند الله أي خير، مهما بدا ضئيلاً.

ما يحتاجه المسلم اليوم ليس مزيداً من الكلام عن الإيمان، بل ترجمة هذا الإيمان إلى سلوك يومي ملموس. أن يكون الإنسان مصدر أمان لا أذى، ورحمة لا قسوة، وإصلاح لا فساد.
أن يبدأ بنفسه، فيُصلحها، قبل أن ينشغل بإصلاح غيره. أن يجعل لنفسه نصيباً يومياً من الإحسان، ولو كان يسيراً. فما يدريك؟ ربما ابتسامة صادقة، أو صدقة خفية، أو دعوة صادقة، أو كلمة رفعت معنويات إنسانٍ مكسور… تكون هي السبب في نجاتك يوم القيامة.
ذلك اليوم الذي يفرّ فيه الإنسان من أقرب الناس إليه، ولا يبقى له إلا عمله.

خاتمة

مهما طالت الدنيا، فهي قصيرة. ومهما امتدت الأعمار، فهي محدودة. واللقاء مع الله حقّ لا مفرّ منه. فالسعيد حقاً، من جعل سؤال الآخرة حاضراً في قلبه، لا يغيب عنه، فاستقام عمله، ورقّ خُلقه، وكثر إحسانه.

فقد يأتي يوم تُطوى فيه صحيفة العمر فجأة، دون إنذار… ولا يبقى للإنسان إلا ما قدّم: صلاة خاشعة، صدقة خفية، دمعة توبة، جبر خاطر، أو كلمة طيبة.

فلنجعل لكل يوم نصيباً من الإحسان، مهما كان صغيراً، فالله لا يضيع أجر المحسنين.
نسأل الله أن يجعلنا ممن إذا وقفوا بين يديه، وجدوا صحائفهم عامرة بالطاعات، وقلوبهم مملوءة بالإخلاص، وأن يشملنا برحمته التي وعد بها المحسنين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى