(السافنا).. مشروع تمرد جديد..

(السافنا).. مشروع تمرد جديد
بقلم/ عصام دقداق
أرى أن المشهد السوداني يتجه نحو مرحلة اكثر تعقيدا واضطرابا ولن تتوقف المشاهد الدراماتيكية في الساحة السياسية والعسكرية بل ان المؤشرات الحالية تؤكد ان وتيرة الانقسام داخل قوات الدعم السريع تتسارع بصورة غير مسبوقة مع اتساع دائرة الانسلاخ والتفكك الداخلي وسط قيادات ومكونات ظلت حتى وقت قريب تمثل العمود الفقري للقوة المتمردة وما يحدث اليوم ليس مجرد خلافات عابرة او تباينات ميدانية بل تحولات عميقة بدأت تضرب البنية الداخلية لقوات ال دقلو وتهدد بتآكلها من الداخل
الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على منطقة مستريحة ومحاولة اغتيال الزعيم القبلي موسى هلال كان نقطة فاصلة ومفصلية في مسار الاحداث لانه فجر حالة غضب مكتومة داخل كثير من المكونات القبلية والعسكرية المنضوية تحت راية التمرد ذلك الحدث اخرج الانتقادات الى العلن بصورة جريئة وغير مسبوقة واظهر ان التماسك الظاهري للدعم السريع يخفي خلفه صراعات مكتومة وطموحات متضاربة وشعورا متزايدا بالتهميش لدى عدد من القيادات الميدانية
وكذلك تسليم اللواء النور قبة نفسه للقوات المسلحة لم يكن حدثا عابرا بل كان بمثابة فتح فعلي لباب الهروب والانشقاق من داخل الدعم السريع وما لا يعلمه كثير من المتابعين ان الاعداد التي غادرت او سلمت نفسها للقوات المسلحة ليست اعدادا بسيطة كما يتصور البعض الا ان الاعلان عن تلك الارقام ظل محدودا لاسباب تتعلق بسلامة الاسر والجنود الموجودين داخل مناطق سيطرة التمرد اضافة الى ترتيبات عسكرية وامنية لاحقة
وقد سبق ذكرت بان علي رزق الله الشهير بالسافنا لن يستمر طويلا داخل الدعم السريع وان خروجه مسألة وقت ليس الا وهو ما تحقق بالفعل عبر اعلانه الاخير بالانسلاخ من قوات الدعم السريع والمتابع لمسيرة السافنا يدرك بوضوح ان الرجل ظل في كل ظهور اعلامي يكرر انه ضابط بالقوات المسلحة بل ويستعرض رتبته ورقمه العسكري بصورة متعمدة وكأنه يريد ارسال رسالة واضحة مفادها انه يختلف عن بقية ضباط الدعم السريع وانه الاحق بالقيادة والاجدر بالموقع الاول داخل المنظومة العسكرية للدعم السريع
كما ان السافنا لم يخف انتقاداته لعبد الرحيم دقلو الامر الذي يعكس بوضوح انه لم يكن راضيا عن موقعه داخل هيكل القيادة بل كان يرى نفسه مؤهلا لتولي قيادة العمليات خصوصا بعد مقتل عدد كبير من ضباط الدعم السريع واختفاء او تراجع دور ضباط الكليات العسكرية السودانية امثال عثمان عمليات واخرين وهذا الطموح ليس جديدا على شخصية السافنا فالرجل معروف منذ دخوله ميادين القتال في سن السابعة عشرة بانه صاحب نزعة قيادية حادة لا يؤمن بدور التابع بقدر ما يسعى دائما الى موقع القائد
تاريخ السافنا مليء بالتقلبات والتحالفات المتغيرة فقد تنقل طوال سنوات بين المعارك والمحاور المختلفة من تحالف الى اخر ومن جبهة الى اخرى مدفوعا بروح المقاتل الباحث عن النفوذ والتأثير اكثر من ارتباطه بمشروع سياسي او فكري محدد لذلك فان خروجه من الدعم السريع لا يمكن تفسيره باعتباره موقفا مبدئيا ضد مشروع التمرد بقدر ما يعكس صراعا داخليا حول النفوذ والقيادة والمكانة
ورغم اعلانه الانسلاخ من الدعم السريع الا ان السافنا لم يعلن حتى الان انضمامه رسميا الى القوات المسلحة وهو امر يفتح الباب امام عدة احتمالات وتساؤلات فقد سبق ان بعث برسائل غير مباشرة تفيد بانه لن يكون مع اي طرف ما لم تتحقق العدالة داخل الدعم السريع لكن الواقع العملي يقول ان الخيارات امامه محدودة فاما العودة الى حضن الدعم السريع او الانضمام الى القوات المسلحة او محاولة قيادة مجموعته بصورة مستقلة
غير ان خيار العمل منفردا يبدو بالغ الخطورة لان اي قوة خارجة عن الطرفين ستجد نفسها محاصرة بين مطرقة الجيش وسندان الدعم السريع وستفقد تلقائيا الغطاء اللوجستي والدعم العسكري والسياسي ولذلك يصعب الاعتقاد ان السافنا قد يختار هذا الطريق ما لم يكن قد حصل بالفعل على دعم خارجي او وعود بتحالفات جديدة
واخشي من احتمال ان تكون جهات خارجية قد تحركت لاستقطاب السافنا خلال فترة علاجه في الهند بهدف صناعة نسخة جديدة من التمرد ولا استبعد ان تكون الدولة الداعمة للدعم السريع نفسها قد فكرت في تكوين جسم منفصل بديل يمكن استخدامه كورقة ضغط على ال دقلو او كورقة احتياطية في حال الوصول الى تسوية سياسية مع الدعم السريع الحالي خاصة اذا شعرت تلك الجهات بان الدعم السريع الحالي ربما يفقد جزءا كبيرا من تماسكه ونفوذه خلال المرحلة القادمة وهذا الاحتمال لا يبدو مستبعدا في ظل طبيعة الصراع الاقليمي والدولي الدائر حول السودان ومحاولات بعض القوى الابقاء على حالة السيولة والفوضى داخل المشهد السوداني
وفي المقابل لا يمكن استبعاد فرضية ان تكون الاستخبارات السودانية قد سبقت تلك التحركات وتمكنت من احتواء السافنا او التفاهم معه خلال وجوده في الخارج مع تأجيل اعلان اي تفاهمات رسمية حفاظا على سلامته وحتى عودته الى البلاد خاصة ان الاعلان عن انضمامه للقوات المسلحة وهو خارج السودان ربما كان سيجعله هدفا مباشرا للاستهداف او التصفية
ويبدو ان السافنا اكمل بالفعل رحلة علاجه وربما جاء توقيت اعلانه الانسلاخ قبل مغادرته الهند بلحظات محسوبة بعناية لكن المؤكد ان شخصية مثل السافنا بطموحها المعروف ونزعتها القيادية لن تقبل بسهولة بدور هامشي او تابع داخل اي منظومة عسكرية او سياسية
وفي كل الاحوال فان خروج النور قبة والسافنا الى جانب انسلاخ قيادات اخرى اقل شهرة يمثل بداية حقيقية لتفكك الدعم السريع من الداخل خاصة مع استمرار الضربات العسكرية القوية التي توجهها القوات المسلحة لمراكز ومضارب التمرد في عدة محاور وما يحدث اليوم قد يكون مجرد بداية لموجة اكبر من الانشقاقات خلال الاشهر القادمة وهي موجة قد تحمل تأثيرات عسكرية وسياسية عميقة تعيد رسم خريطة الصراع بالكامل في السودان




