السودان.. ضعف الإعلام الرسمي وغياب التنسيق

السودان.. ضعف الإعلام الرسمي وغياب التنسيق
كتب /عصام دقداق
لم يعد الإعلام في عالم اليوم مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أحد أهم ركائز القوة الناعمة، وسلاحًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الأدوات العسكرية في أوقات السلم والحرب. فالدول الحديثة تخصص وحدات إعلامية داخل كل وزارة، وتدير منصات رقمية نشطة، وتستثمر في القنوات الفضائية والصحف الإلكترونية، بهدف إبراز إنجازاتها، وتوجيه الرأي العام، والدفاع عن مصالحها داخليًا وخارجيًا.
وفي المقابل، فإن غياب هذا الدور أو ضعفه يفتح المجال أمام خصوم الدولة لملء الفراغ، وهو ما حدث بوضوح في الان، حيث يعاني الإعلام الرسمي من ضعف كبير في الأداء، وغياب التنسيق، وعدم القدرة على مواكبة حجم التحديات، خاصة في ظل الحرب الحالية.
اذ يعتبر الاعلام سلاح كاسح للصراعات الحديثة وشاهدنا ذلك خلال الثورات العربية، بان الإعلام يمكن أن يكون أداة حاسمة في تغيير موازين القوى، والتأثير على الرأي العام، بل وإسقاط أنظمة سياسية. فالإعلام لم يعد محايدًا، بل يُدار ضمن استراتيجيات دقيقة تخدم أجندات محددة، ويُستخدم كسلاح فتاك في الحروب النفسية والمعلوماتية.
يبدو أن هذا الدرس قد استوعبه الداعم الاساسي للدعم السريع ، حيث استعد ببناء منظومة إعلامية متماسكة ومخطط لها بعناية، اعتمدت على التدريب المكثف، واختيار الكوادر، واختراق بعض المؤسسات، وإنشاء شبكات إعلامية مترابطة تعمل بشكل احترافي ومنظم.
ولذا منذ اندلاع الحرب، ظهر بوضوح تفوق إعلام التمرد المدعوم من حيث الحضور، والتنظيم، وكثافة الإنتاج الإعلامي، حيث تنتشر مئات المواد يوميًا عبر منصات متعددة، مدعومة بغرف إعلامية متخصصة، وتنسيق عالي المستوى.
في المقابل، يعاني الإعلام الرسمي للدولة من غياب شبه كامل، سواء في تقديم الرواية الرسمية، أو في إدارة المعركة الإعلامية، أو حتى في دعم القوات النظامية إعلاميًا بما يتناسب مع حجم التحدي. هذا الغياب خلق فراغًا كبيرًا، اضطر الإعلام الشعبي إلى محاولة سده بجهود فردية.
ولكن كان للاعلام الشعبي المساند للقوات المسلحة دور بالرغم من ضعف الإمكانيات، لعب الإعلام الشعبي دورًا بارزًا في مواجهة الحملات الإعلامية المضادة، حيث برز عدد كبير من الشباب السودانيين الذين خاضوا معركة الوعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستطاعوا التأثير في الرأي العام، وكشف الكثير من الحقائق.
بل إن بعض هؤلاء الشباب واصلوا عملهم الإعلامي حتى من داخل ساحات القتال، مستخدمين هواتفهم لنقل الصورة، وتوثيق الأحداث، ورفع الروح المعنوية. كما لعب السودانيون في المهجر دورًا مهمًا في دعم هذه الجهود، والتصدي للحملات الإعلامية الخارجية.
لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل اجتهادات فردية تفتقر إلى التنظيم والتوجيه، وتغيب عنها أحيانًا الدقة والمهنية، بسبب عدم وجود جهة رسمية توفر المعلومات، أو تدير الخطاب الإعلامي بشكل موحد.
من أبرز الإشكالات التي زادت من تعقيد المشهد، قيام بعض الجهات الرسمية بمحاولة استقطاب شخصيات من خارج الوسط الإعلامي المهني، ممن اشتهروا عبر منصات ترفيهية أو محتوى سطحي، وتقديمهم كواجهات إعلامية داعمة.
هذا التوجه لا يخدم المعركة الإعلامية، بل يضعفها، ويؤثر سلبًا على مصداقيتها، خاصة عندما يتم تهميش الإعلاميين المهنيين وأصحاب الخبرة، الذين يمتلكون القدرة على تقديم محتوى رصين ومؤثر يعكس حقيقة ما يجري.
للسودان تجارب سابقة ناجحة في مجال الإعلام الحربي سابقا ، حيث لعبت برامج مثل “ساحات الفداء” و“جنود الوطن” دورًا مهمًا في رفع الروح المعنوية، وتعزيز الانتماء الوطني، ودعم الجبهة الداخلية خلال فترات الحروب السابقة.
هذه التجارب تؤكد أن الإعلام يمكن أن يكون عنصر قوة حقيقي إذا ما تم توظيفه بشكل صحيح، ضمن رؤية استراتيجية واضحة، وبقيادة مهنية واعية.
إن المعركة التي يخوضها السودان اليوم ليست عسكرية فقط، بل هي أيضًا معركة إعلامية بامتياز. ولا يمكن كسب هذه المعركة دون وجود إعلام رسمي قوي، قادر على قيادة المشهد، وتنسيق الجهود، وتوحيد الخطاب.
كما أن الإعلام الشعبي، رغم أهميته، يحتاج إلى تنظيم وتوجيه، وربطه بمصادر معلومات موثوقة، وتزويده بالمواد الإعلامية اللازمة، حتى يتحول من جهود فردية متفرقة إلى قوة مؤثرة ضمن منظومة متكاملة.
إن إعادة بناء الإعلام الرسمي، والاستفادة من طاقات الإعلام الشعبي، واختيار الكفاءات المهنية، تمثل جميعها خطوات ضرورية لاستعادة التوازن في معركة الوعي، وحماية الدولة من مخاطر الحرب الإعلامية التي لا تقل ضراوة عن الحرب في الميدان.



