البرهان صوت الصمود في زمن الانكسار

البرهان صوت الصمود في زمن الانكسار
كتب /عصام دقداق
لم تكن حرب الكرامة مجرد مواجهة عسكرية عابرة بل لحظة اختبار قاسية لروح وطن بأكمله لحظة تكسرت فيها البيوت وتفرقت الأسر ووجد فيها السوداني نفسه أمام سؤال مرعب كيف نصمد لم يكن يكفي أن يكون للوطن جيش يقاتل بل كان يحتاج إلى صوت يثبت القلوب ويعيد ترتيب الأمل وسط الفوضى
في هذه اللحظة برز الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لا كقائد عسكري فحسب بل كحالة معنوية وصوت ظل حاضرًا في وجدان السودانيين كلما اشتدت المحنة منذ الطلقة الأولى حين تعرض منزله للاعتداء لم يتوارَ ولم يبحث عن ملاذ آمن بل وقف ثابتًا يحمل سلاحه إلى جانب الحرس الرئاسي رافضًا الابتعاد ومؤكدًا أن هذا وطن لا يُدافع عنه من الخلف
كانت الخرطوم تعيش واحدة من أعقد لحظاتها انتشار واسع للتمرد وسيطرة على مواقع حيوية وحصار خانق يطوق القيادة العامة كان المشهد كافيًا لإسكات أي صوت لكن البرهان لم يصمت بل خرج عبر القنوات متحدثًا بثبات لن نخرج ولن نسلم وسندافع عن السودان حتى آخر قطرة من دمائنا لم تكن تلك الكلمات مجرد تصريح بل لحظة تحول معنوي التقطها الشارع بوصفها وعدًا لا تراجع عنه
ومع اشتداد المعاناة وتزايد النزوح والانتهاكات لم يكن الناس يبحثون عن تحليلات سياسية بل عن كلمة تمسك بهم من السقوط وكانت تلك الكلمة تتكرر التمرد إلى زوال والنصر قادم لا محالة في الخيام وعلى طرق النزوح تحولت هذه العبارة إلى يقين جمعي يردده الناس ويستمدون منه طاقة الصبر
لم يكن البرهان وحده سبب صمود الشعب السوداني فالتاريخ يشهد لصلابة هذا الشعب غير أن خطابه في تلك اللحظة الفارقة كان من أبرز العوامل التي حافظت على تماسك المعنويات ومنعت الانهيار ولم يكتفِ بخطاب معنوي بل عززه بحضور ميداني واضح إذ ظل داخل القيادة العامة يقود العمليات ويبث رسائل الثبات
وحين تطلبت المرحلة خروجه من القيادة العامة لقيادة المعركة على مستوياتها المختلفة خرج في عملية نوعية رغم الحصار لم يكن ذلك انسحابًا بل تحولًا استراتيجيًا أعاد بعده ترتيب الصفوف ووسع نطاق المواجهة حتى بدأت ملامح النصر تلوح في الأفق
هذا التحول كان فاصلاً في مسار الحرب إذ انتقل من قيادة تحت الحصار إلى قيادة تدير المعركة في كل الجبهات وظل حاضرًا بين الجنود يؤكد بالفعل قبل القول أن القائد الذي يطلب الصمود هو أول من يلتزم به وتحولت كلماته إلى دافع يومي يردده الجنود والشباب الذين التحقوا بالقتال إيمانًا بأنهم جزء من معركة مصير
وفي موازاة المعركة العسكرية واجهت القيادة ضغوطًا سياسية وإقليمية ومع ذلك حافظ البرهان على موقف ثابت رافضًا أي مسارات تمس سيادة السودان أو كرامة شعبه مع الاستمرار في إدارة المعركة عسكريًا ودبلوماسيًا
في ذاكرة الشعب السوداني سيظل هذا المشهد حاضرًا قائد يواجه تمردًا واسعًا مدعومًا بالعتاد والمال والمرتزقة ويتمكن رغم ذلك من إعادة التوازن وفرض واقع جديد بدأت معه بشائر النصر تلوح قد تختلف القراءات لكن الحروب لا تُحسم بالسلاح وحده بل أيضًا بإيمان الناس بالصمود
في تلك المساحة كان لصوت البرهان حضور لافت ففي لحظة كادت فيها الروح أن تنكسر كان هناك صوت يردد اصبروا فإن النصر قادم فتمسك به الناس وصمدوا
في النهاية لا يمكن اختزال المشهد في شخص واحد، لكن يمكن القول إن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان خلال حرب الكرامة انتقل من قائد ميداني إلى رمز حاضر في وجدان معركة صاغها الألم وحفظها الصبر وأبقاها الأمل حية في قلوب السودانيين




