قحت والبندقية التي لم (تصمد) أمام دهاء وصبر البرهان

قحت والبندقية التي لم (تصمد) أمام دهاء وصبر البرهان
بقلم/عصام دقداق
ظل القائد العام للقوات المسلحة يكرر بان السودان يسع الجميع وليس هنالك تميز بين الشعب السوداني وظل يردد بان كل من تاب وعاد من صفوف التمرد فان باب التوبة مفتوحة لكل من اراد العودة لحضن الوطن ولم تكن هذه العبارات مجرد خطاب للاستهلاك بل كانت تعبيرا عن رؤية تتجاوز لحظة الصراع الي فكرة دولة قادرة على احتواء الجميع دون اقصاء تقوم على استيعاب التناقضات لا تفجيرها وعلى جمع الشتات لا تعميق الانقسام وبناء وطن لا يدار بردود الافعال بل بحسابات الدولة العميقة
وحينما تم اختيار البرهان بديلا للفريق عوض ابن عوف لم يكن الامر صدفة عابرة بل كان قرارا مبنيا على قراءة دقيقة لمشهد معقد كانت تلوح فيه بوادر استقطاب خطير للدعم السريع وتدخلات خارجية واضحة وهشاشة سياسية عميقة بجانب حالة عداء مشحونة تجاه القوات المسلحة بفعل حملة اعلامية قادتها قوى الحرية والتغيير وانخدع بها قطاع واسع من الشعب في وقت كان فيه انتشار الدعم السريع داخل الخرطوم يتمدد بصورة مقلقة ويؤسس لواقع ميداني يصعب احتواؤه لاحقا ويهدد مركز الدولة ذاته
الاجهزة الامنية والاستخباراتية كانت تقرأ المشهد بعيون مفتوحة وتدرك طبيعة شخصية قائد الدعم السريع وسهولة استقطابه من الخارج او الداخل لتنفيذ اجندة خفية للاخرين لهثا خلف السلطة ولذلك جاء اختيار البرهان باعتباره الشخصية القادرة على ادارة هذه المرحلة الحرجة بذكاء وصبر ونفس طويل مع قدرة على الامتصاص والتعامل المرن مع خصم كان يكبر كل يوم في طموحه بدعم داخلي وخارجي مع قراءة دقيقة لمراكز القوة داخل تلك المنظومة والقدرة على تفكيكها من الداخل قبل مواجهتها في العلن
لم يكن البرهان خيار المؤسسة العسكرية وحدها بل شاركت في دعمه قيادات سياسية ذات رؤية بعيدة ادركت ان المرحلة تحتاج قائدا يجمع بين الحزم والمرونة ويعرف خصمه جيدا ويستطيع تأجيل الصدام حتى تتغير موازين القوى ولذلك اقترب من قائد الدعم السريع وادار معه العلاقة بحذر شديد في محاولة لتجنب مواجهة مباشرة كان الجميع يعلم انها قادمة لا محالة لكنه سعى لتأجيلها حتى تتوفر ظروف اكثر ملاءمة تعيد ترتيب موازين القوة لصالح الدولة
كانت محاولات الاحتواء متعددة وتضمنت تنازلات محسوبة لتأجيل الانفجار الكبير لكن تعقيدات الداخل داخل الدعم السريع نفسه خاصة مع صعود عبد الرحيم دقلو ونفوذه المتزايد وصدام طباعه الحادة مع محاولات التهدئة جعلت القرار ينفلت تدريجيا من يد حميدتي بعد ان اصبح نائبا لمجلس السيادة وابتعد عن القيادة الميدانية المباشرة مما فتح الباب لتحولات خطيرة داخل بنية القوة وتمدد عبد الرحيم في علاقات مشبوهة مع قوى سياسية وتعالي صوته بوضوح ضد قيادة البلاد مغترا بقواته وعتاده المدعوم وهو ما سرع من الانفجار الذي كان مؤجلا
ولذا لم يات استقبال البرهان للواء النور قبة من فراغ بل كان خطوة محسوبة تحمل رسائل متعددة اولا اختراق واضح لبنية الدعم السريع ومكوناته وثانيا تقديم بديل رمزي قادر على جذب مكونات داخل تلك القوات وخلق قيادة بديلة لحميدتي واخيه عبد الرحيم وثالثا رسالة طمأنة لكل من يفكر في العودة بان الطريق مفتوح وان المكاسب ممكنة وان الدولة قادرة على اعادة دمج من يختار الانحياز للوطن والتنازل عن سيارته لم يكن تفصيلا عابرا بل اشارة سياسية ونفسية عميقة قرأها الداخل قبل الخارج وفهمت باعتبارها رسالة قوة ناعمة موجهة بدقة
هذه الخطوة اتت اكلها سريعا حيث بدأت اصوات داخل الدعم السريع ترتفع ضد ال دقلو وظهرت بوادر تصدع حقيقي في تماسك القوة التي كانت تبدو متماسكة في الظاهر وهنا تظهر مرة اخرى قدرة البرهان على استخدام الادوات الناعمة الى جانب العمل العسكري في ادارة الصراع وتفكيك خصمه من الداخل لا فقط مواجهته في الميدان بل اضعافه قبل الاشتباك معه
منذ اندلاع التمرد قاد البرهان المعركة في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة دون حكومة مستقرة ونجح في تحويل الغضب الشعبي من القوات المسلحة الى حالة اسناد ودعم ومشاركة فعلية في القتال واستطاع ان يدير الملف الحربي والدبلوماسي والامني في وقت واحد بينما كانت حسابات خصومه تتهاوى تباعا نتيجة سوء التقدير وتضارب الاجندات وانفصالهم عن واقع الشارع
تلاشت قحت يوما بعد يوم والتي راهنت على البندقية للعودة الى السلطة كما تراجعت رهانات الدول والاجهزة الخارجية رغم ما قدمته من دعم بالمال والسلاح والمرتزقة والغطاء السياسي عبر المنصات والمؤتمرات التي انتهت جميعها الى الفشل لانها قامت على تقدير خاطئ لطبيعة المجتمع السوداني وقدرته على الالتفاف حول مؤسساته عند الخطر وعلى قراءة قاصرة لتعقيدات الدولة السودانية
اليوم تغير المشهد وادرك الشعب السوداني حقيقة ما جرى وتم فرز الكيمان بوضوح وذهب من ذهب دون اسف وبقي من بقي مع الوطن وعلى خط الدفاع عنه واذا كانت هدية عودة النور قبة تحمل دلالات سياسية كبيرة فان هناك من لا يستحق حتى كيس تمباك يعدل مزاجه المنهك لان عودته لا تضيف للوطن شيئا ولا تغير في معادلة الصراع بل قد تعيد انتاج الازمة في ثوب جديد ونباح جديد من الداخل
في النهاية لم يكن البرهان صدفة بل كان اختيارا دقيقا لمرحلة معقدة رجل ادرك طبيعة المعركة مبكرا فادارها بصبر ودهاء حتى وصلت البلاد الى هذه اللحظة التي بدأت فيها ملامح الحسم تظهر وتنكشف فيها الاوراق كاملة امام شعب صار اكثر وعيا بما يدور حوله واصبح اكثر قدرة على التمييز بين من يقاتل من اجل الدولة ومن يقاتل من اجل السلطة




