راي

يقينٌ يُدهش العطاء ويسوق الأقدار..!

يقينٌ يُدهش العطاء ويسوق الأقدار

بقلم /عبد الله احمد محمد دفع الله

الحمد لله الذي لا يُخَيِّب من أحسن الظن به، ولا يُضيّع من توكل عليه. وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، من علّمنا كيف نُعلّق القلوب بالحي الذي لا يموت، وعلى آله وصحبه أجمعين.

سؤال يخترق القلوب ويوقظ الغافلين:

في دوامة الحياة المتسارعة، وتحدياتها التي لا تتوقف، كثيراً ما تُلقى على مسامعنا الأسئلة، لكن قليلًا منها ما يمتلك القدرة على اختراق شغاف القلب، وإيقاظ الروح، وإعادة ترتيب بوصلة الحياة. من هذه الأسئلة العميقة، سؤال طرحه سيدنا الخليل إبراهيم عليه السلام على قومه، وهو سؤالٌ موجّهٌ إلينا جميعاً، سؤالٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان، ليصل إلينا نحن اليوم، في زحمة العيش وتقلباته، وسط الأحزان والمحن، وبين الأمل واليأس، ليسألنا: ما هو ظنكم برب العالمين؟

إنها دعوة صادقة للتوقف والتأمل؛ في لحظات الفرح والغَمّ، في أوقات الشدائد والرخاء، يدعونا لننظر إلى أعماق قلوبنا: هل نظن به خيراً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه؟ هل نُوقن بأن رحمته وسعت كل شيء، وأن قدرته لا يعجزها شيء؟ أم أن الشكوك والظنون السيئة قد تسللت إلى نفوسنا، فحجبت عنا نور اليقين، وأطفأت جذوة الأمل؟
تذكر دوماً أن مفتاح الفرج يكمن في قلبٍ يثق بربه، كما تُخبرنا هذه الأبيات:

إنّ للشدةِ مُـدّة ثم يُلقى المرءُ سَعْده
فاصطبرْ تلقَ انفراجاً فصَـبـرُ الـمرءِ عُـدّة

لم يَـدمْ قَـطُّ بَـلاءٌ فَـرَجُ الـرحمنِ رِفْـده
أحسنِ الظنّ وأيقنْ أنّ كلَّ الأمرِ عِنده

وإذا ما شاءَ شيئاً لا يُطيقُ الخلقُ ردّه
ومع الإعسارِ يُســـرٌ ثم يُسرٌ جاءَ بعده

وإذا أعيـاكَ هـمٌّ وتَـعـدّى الأمرُ حَـدّه
قُـمْ بـجوفِ الليلِ سِـرّاً واسألِ الرحمنَ وحده

كلُّ ما ترجوهُ قـريبٌ حاصِلٌ تُدنيهِ سَـجْدة
إنّ وعدَ اللهِ حـقٌّ يُنجزُ الرحمنُ وعده

نستمع كثيراً لقصص الصمود والثبات، ونتأمل في عظمة الإيمان، لكن هل تساءلنا يوماً عن سر هذا الثبات؟ عن تلك القوة الخفية التي تدفع الإنسان ليواجه الأهوال بقلبٍ مطمئن؟ إنها بحق حلاوة حسن الظن بالله.

ثقة لا يكسرها شكٌّ ولا تهزّها ريبَة

تخيل نفسك على متن طائرة تحلق عالياً. تجلس مطمئنًا، لماذا؟ لأنك تثق في مهارة الطيار، وخبرته الطويلة التي اكتسبها عبر آلاف الساعات. وحين تلجأ إلى طبيب ماهر لإجراء عملية جراحية دقيقة، تُسلم نفسك له بقلب مرتاح، لماذا؟ لأنك تُحسن الظن به وبقدرته على الشفاء بعد توفيق الله.
فإذا كان هذا ظننا بمخلوق ضعيف، قد يزول وقد يُخْطئُ وقد يموت، فكيف لا يكون ظننا بخالق عظيم، “الحي الذي لا يموت”؟ بمن لا تأخذه سِنَة ولا نوم، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا يغفل عن تدبير شؤون خلقه لحظة واحدة؟ إنه التدبير المحكم، والعناية اللامتناهية.
لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نحسن الظن به، وجعل ذلك من أعظم ما يَمُنُّ به على عبده في هذه الحياة الدنيا. ففي الحديث القدسي الشريف الذي يبعث الأمل في القلوب، تتجلّى هذه الرحمة الإلهية الواسعة: (أنا عند ظن عبدي بي …) رواه البخاري ومسلم. هذه الكلمات تحمل في طياتها وعداً إِلَٰهياً كريماً، ومفتاحاً للسعادة والطمأنينة. فكل مجريات حياتنا، من لحظة تكويننا نطفةً في الأرحام، مروراً بلطفه وعنايته التي تحفّنا في كل حين، إلى هدايته لنا سُبل العيش، كلها دلائل ساطعة على عظيم لطفه وحسن تدبيره. فهل بعد كل هذه العطايا التي لا تُحصى، نجرؤ على إساءة الظن به؟!

إساءة الظن: جريمة في حق النفس

إن إساءة الظن بالله لهي جريمة لا تُغتفر في حق النفس أولًا، وفي حق الإيمان ثانياً. إنها سجنٌ من الأوهام والشكوك يُحاصر الروح ويُقيدها، ويمنعها من رؤية الفرج والنور. ولذلك، أوصانا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ألا يموت أحدنا إلا وهو يحسن الظن بالله. ففي يوم القيامة، حين تُعرض السجلات، وحين لا يكون هناك عملٌ يشفع إلا برحمة الله وتوفيقه، فإن حسن الظن بالله هو ما قد ينفعك، ويسوقك إلى عفوه ومغفرته.
كما جاء في الحديث الشريف: “خصلتان ليس فوقهما شيء ٌ من الخير: حسن الظن بالله وحسن الظن بعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما شيء ٌ من الشر: سوء الظن بالله وسوء الظن بعباد الله.” وهذا يؤكد أن حسن الظن بالله وبالناس هو من أفضل الخصال وأعظمها خيراً، بينما سوء الظن بهما هو من أسوأ الخصال وأكثرها شراً، يُبعد الإنسان عن الخير ويُقربه من الشر.
ولكن، ليس هذا الظن وليد اللحظة العابرة، بل هو نتاج رصيد من حسن الظن يتراكم في الدنيا؛ عادةٌ تُغرس في القلب مع كل موقف، وتُصقل مع كل تجربة، وتُروى بماء اليقين في كل محنة. إنه بناءٌ مستمرٌ للثقة بالله.
حسن الظن لا يعني ترك العمل، ولا التجرؤ على الله بمعصيته، ولا التواكل على القدر دون بذل الأسباب. بل هو دافعٌ قوي للعمل الصالح، وعزيمةٌ على الطاعة، ونشاط في السعي والاجتهاد. فالله تعالى له علينا فرائض أمرنا بها، وله علينا رزق تكفّل به. وإن قصرنا في فرائضه، فلن يُقصر سبحانه في رزقه.

التوكل على الله… قمة القوة وعنوان السكينة

إن حسن الظن بالله لا ينفصل عن التوكل عليه، فالمتوكل الحقيقي هو من جمع بين الثقة التامة بالله، والعمل بالأسباب المشروعة التي أمر الله بها، ثم الرضا التام بما قسمه الله وقدره، موقناً أن الخيرة دوماً فيما اختاره الله.
فالله سبحانه وتعالى لم يأمرنا أن نتوكل على طبيب، ولا على مسؤول، ولا على مال، بل قال: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}.(الفرقان:58) فكل حيٍّ غيره يموت، وكل سندٍ سواه يزول، أما هو فباقٍ لا يكلّ ولا يملّ من رحمة عباده، يسمع أنينهم في جوف الليل، ويعلم حاجاتهم وإن لم يبوحوا بها.
التوكل على الله ليس ضعفاً ولا كسلاً، بل هو قمة القوة وشاهد على عظيم الإيمان. هو مقامٌ عالٍ لا يبلغه إلا من عرف ربه حق المعرفة، وذاق حلاوة الإيمان، وركن إلى ركنٍ شديد لا يضعف ولا يزول.

غزة… مدرسة في حسن الظن والتوكل

تتجسد قوة حسن الظن بالله والتوكل عليه في أبهى صورها وأعظم معانيها لدى أهل غزة الصامدة. فبعد كل ما مروا به من قتل وتجويع ودمار، بعد أن تُركوا إلا من الله، لم يتزعزع ظنهم بربهم. ظنهم بأن الله ناصرهم ومؤيدهم، وأن النصر قادمٌ لا محالة ولو بعد حين، وأن وعد الله حق لا يتخلف. هذا الظن، وهذا اليقين الراسخ، هو ما أبقاهم صامدين في وجه المآسي، شامخين أمام أعتى الظروف، يرفعون أكفّهم لله، ويبتسمون بثقة: “حسبنا الله ونعم الوكيل”.
لو لم يكن حسن ظنهم بالله عالياً، ما بقوا ساعة واحدة تحت هذا العذاب. لكنهم بقوا، وصبروا، وثبتوا، لأنهم مؤمنون بأن وراء كل ألم حكمة، وبعد كل محنة فرج، وأن الله عند حسن ظن عباده به. ألا يثير هذا السؤال: “فما ظنكم برب العالمين؟” فينا التأمل العميق في كل معضلة من معضلات حياتنا؟

الخاتمة: علّق قلبك بالله

يا من تقرأ هذا المقال، في كل معضلة من معضلات حياتك، وفي كل همٍّ يعتريك، وفي كل باب يُغلق في وجهك، توقف لحظة صادقة واسأل نفسك: “فما ظني برب العالمين؟”
علّق قلبك بالله، لا بالأسباب وحدها. وابذر في قلبك حسن الظن، واسقِه بذكر الله، وثبّته بالدعاء، واحمله في صلاتك، وردده كلما ضاقت عليك السبل:
“يا رب، توكلت عليك. ربي سيكرمني، ربي سيغفر لي، ربي سيرزقني، ربي لن ينساني.”
فإن الله الكريم الرؤوف السميع المجيب، الذي وسعت رحمته كل شيء، لا يخذل عبداً قال من قلبه بصدق: “يا رب، توكلت عليك.”
اللهم ارزقنا حسن الظن بك في كل حال، وحقق لنا ما نظنه فيك من خير، واملأ قلوبنا يقيناً بك لا يتزعزع، وسكينة لا تزول، واملأ أيامنا بفرجك الذي لا يُخيّب.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى