اخبار

سودانير مابين مطرقة الإهمال وسندان الحرب

سودانير مابين مطرقة الإهمال وسندان الحرب

كتب : مؤيد احمد حسين

هناك تساؤلات تطفو على السطح أحيانٱ وبشدة حول تذبذب منحنى الوضع في شركة الخطوط الجوية السودانية في السنوات الماضية مابين الصعود تارة والهبوط تارة أخرى ، ولكن للأسف الشديد الملاحظ أنه شهد هبوطٱ ملفتٱ للنظر وخصوصٱ خلال السنوات القليلة الماضية قبل الحرب وحتى كتابة هذا المقال ، مما برز معه تساؤلات كثيرة ومثيرة في آن واحد ؟ وإن لم يجد المتسائل مبررات لها حتى هذه اللحظة أو لعل بعض الإجابات التي تشفي غليله ! وللأسف فإن ما يدفع تلك التساؤلات إلى الظهور على الواجهة والعلن بين الفينة والأخرى هو حال التدهور المريع الذي أصاب ذلك الصرح العملاق التليد والمؤسسة العريقة خلال الآونة الأخيرة .

فقد شهدت السنوات الماضية خروج معظم طائرات الشركة المملوكة لها من الخدمة على مراحل متتالية ومتوالية بسبب إستهلاكها وقدم طرازها والتي صاحبها أعطال فنية كثيرة .. كان تشغيلهم يكفي الشركة شرور توقف جدول عملياتها وفي نفس الوقت إيفاء إلتزامها تجاه زبائنها لمحطاتها الداخلية والخارجية ، وكذلك جنب الشركة المجازفة والدخول في براثن الإيجار وتبعاته وتكلفته العالية التي تفوق منصرفات إيجار تلك الطائرات أحيانٱ ما تجنيه الشركة من ربح ومبيعات .
ربما يستغرب البعض أن الناقل الوطني لجمهورية السودان وحامل شعار الوطن وإسمه ولبلد في حجم السودان وترامي أطرافه وعراقته يمتلك الآن طائرة واحدة فقط ولشركة خطوطه الجوية ذات التاريخ الناصع والمواقف المشرفة وداعمة الإقتصاد في يوم ما ومفخرة كل سوداني غيور ووطني أصيل محب لبلده ومتفاخر بشركاته ومؤسساته السيادية .
الجميع يعلم أن نهوض الشركات والمؤسسات الحكومية وتطورها أو تدهورها وإنهيارها يحكمه السياسات الموجهة للنظم الحاكمة تجاه تلك المؤسسات والشركات وخصوصٱ السياسات الإقتصادية وحرص الحكومات على تمكين تلك المنشآت لتلعب دورٱ محوريٱ بمضاعفة فرص نجاحها ودعمها للإقتصاد الوطني إتساقٱ مع أهدافٱ ورؤية كلية للنهوض الشامل بإقتصاد بلدانها ورفع إسهامها في الناتج المحلي ليصل لمستويات قياسية تساهم في دورة إقتصادياتها ، بل والمساهمة في التغلب على معوقات التطور والنماء وذلك بالتغطية بنسبة كبيرة على مخاطر الإخفاق والتراجع مع التركيز والمتابعة لمقومات النجاح لضمان دوران عجلة إنتاجها ولتجنب توقفها الفجائي او الممرحل بمرور السنين .
للأسف الشديد هذا ما لم يتوفر لسودانير او يوجه لها بإعتبارها ركيزة اساسية للإقتصاد ومعول للبناء والإعمار وداعم للوحدة بربط الأطراف المترامية ومقربٱ لها والإهتمام بها من هذا المنظور .
سودانير دفعت ثمنٱ غاليٱ جراء سياسات إهمال متعمدة منذ فترة ليست بالقصيرة خصوصٱ تحت ظل الحصار الإقتصادي الجائر الذي فرض عليها منذ العام 1997 وورود إسمها ضمن قائمة الشركات الحكومية المحظورة ، فبدلٱ من البحث عن مخرج من نفق ذلك الحصار وإيداع جميع الخطط والدراسات منضدة التفاكر والتشاور وإشراك الخبراء وإستصحاب خطط الشركات المماثلة لها في الوضع المشابه وتطبيقه جيدٱ ومن ثم الخروج بخلاصة ( خطة علمية ) للعبور بالشركة لبر الأمان ، ولكن بدلٱ من ذلك رأت بعض السياسات أن ترفع الحكومة يدها نهائيٱ عن التشغيل وخصوصٱ مجال النقل بصفة عامة والنقل الجوي بصفة خاصة مع ضرورة أيلولة ذلك المجال للقطاع الخاص .. وكلنا نعلم إقحام سودانير في شراكة فاشلة مع شركة عارف الكويتية فترة ما ودفعت ثمنها سودانير غاليٱ ولا زالت تدفعه جراء تلك الشراكة الكارثية حتى هذه اللحظة .
من منظور آخر كانت الحكومة ترى أن الشركات الوطنية الناشئة والتي ستنشأ لاحقٱ بتوفير لها كل سبل النجاح والنهوض قادرة على سد النقص والعجز في سوق الطيران بعد إحلالها مكان الناقل الوطني داخليٱ وخارجيٱ وهذا ظاهر للعيان الآن ولكل ذي بصيرة وهو يرى تقلص وإختفاء طائرات الناقل الوطني من على ساحات المطار بمقابل تزايدها لدى الشركات الخاصة ، ولكن تجهل الحكومة أشياء لم تضع لها حسبانٱ وهي أن الشركات الخاصة تفتقد للبنية التحتية التي تمتلكها سودانير والخبرات التراكمية لأجيال منذ السودنة حتى اللحظة ، وكذلك تركيز تلك الشركات على عامل الربحية الذي هو في الأصل شريانها للبقاء وديمومتها وذلك على حساب كثير من الأشياء نمسك حاليٱ عن الخوض فيها .. بالإضافة لتمكين الشركات الإقليمية والعالمية من سوق الطيران السوداني والذي من المفترض أن يكون معظم حقوقه خالصٱ لناقلنا الوطني وخاصٱ به ( حقوق النقل ) بعد إجازة مسودة مشروع السماوات المفتوحة والتصديق لتلك الشركات بعدد رحلات لم تكن تحلم به في يوم من الأيام .
الشيئ المؤسف أيضٱ أن الحكومة كانت بعد كل فترة والأخرى ترى في الهيكلة حلٱ لأزمات سودانير ومشاكلها والتي صنعتها هي نفسها بفعل تلك السياسات الخاطئة مضافا إليه الحصار الأمريكي ، ولكن العجيب أنها تراها بمثابة الجراحة التي لابد منها ليعود الجسم صحيحٱ معافى .. متناسية أن تلك الجراحة بمثابة تقطيع وبتر وإستلاب لروح جاهدت كثيرٱ في البقاء على قيد الحياة ، ولنا في تجارب كثيرة مثال وعبرة ولكن للأسف الشديد لم تؤخذ في الإعتبار ولم يستفد من دروسها ، ولم يجن منها سوى تشريد العاملين الذين يعولون أسرٱ في ظل وضع إقتصادي مترديٱ ومزري ، وكذلك في نفس الوقت مذبحة للكوادر بإبعادهم وإهدائهم للشركات الأخرى بعد أن صرفت عليهم الشركة كثيرٱ في تأهيلهم وصبرت عليهم سنينٱ دأبٱ .

من هذا نخلص إلى أن الدولة لم تراع إطلاقٱ وضعية ناقلها الوطني في خارطة الإقتصاد ومساهماته فيه ولو رجعت للوراء قليلٱ لأصابتها الدهشة بتحقيق الناقل الوطني لإيرادات ضخمة فاقت المئات من ملايين الدولارات ضختها بكل فخر وإعتزاز في الخزينة العامة للدولة .. بل ولجأت الحكومة في فترة ما للإستدانة من إيرادات الشركة بمبلغ مائتي وخمسين مليون دولارٱ إبان حكومة الصادق ( فترة الديمقراطية الثالثة ) .
حينها فقط نتساءل لصالح من يأتي هذا التدهور والإنهيار ؟؟؟ وماهي دوافع وأسباب الإهمال وعدم الرعاية والإهتمام من جانب الحكومات المتعاقبة ؟
وبات في حكم المؤكد أن ليس هنالك رؤية واضحة لتطوير ناقلنا الوطني وتفتقر الهيكلة لخطة علمية مدروسة تضع بها أساسات البناء المستقبلي للشركة من أجل نهضتها وتطورها وفقٱ للمصلحة العامة .. وإلا لماذا لم تتخذ خطوة جادة حتى الآن ؟ بل ولم تستصحب سيرتها طيلة التحدث عن خطط وإستراتيجيات قومية ! ولم تمنح حتى ضمانات بنكية للإنطلاق والتطور والحداثة بعد التماثل للشفاء .

مالم تكن هناك إلتفاتة حقيقية من الحكومة والوطنيين الخلص الحادبين على المصلحة العامة سيظل ناقلنا الوطني ولن يبرح وكالعهد به يتقلب بين مطرقة الإهمال وسندان الحرب .. فلا يزيده ذلك الطرق إلا ضعفٱ وضياعٱ وهوانٱ .

أسعدتم نهارا وجمعة سعيدة على الجميع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى