راي

إليك مولانا رئيس القضاء …الموقر

إليك مولانا رئيس القضاء …الموقر

بعد التحية والاحترام

تلاحظ بعض المحاكم- فى عقوبة الجلد- تستعمل (سوط العنج) وهو مخالف للشريعة الاسلامية وذلك لان طرفه به قسوة زدعلى ذلك هو معد كسلاح لدى السودانيين لان به مابه من القوة والرهبة كما تعلمون وانتم اصحاب العلم حين يتناول الناس عقوبة الجلد في الشريعة الإسلامية، ينصرف الذهن غالباً إلى صورة قاسية، قد ترسمها المخيلة بعيداً عن حقيقة الضوابط التي قررها الفقه الإسلامي عبر قرون طويلة. غير أن القراءة المتأنية لكتب الفقه تكشف أن المسألة لم تكن يوماً إطلاقاً للعقوبة بلا قيد، بل كانت محكومة بفلسفة دقيقة تقوم على تحقيق الردع دون الانزلاق إلى التعذيب.

 

السوط – وهو أداة تنفيذ الجلد – لم يُترك لاجتهاد المنفذ أو مزاجه، بل حدد له الفقهاء أوصافاً واضحة. فقد جاء في المغني لابن قدامة أن السوط ينبغي أن يكون: (بين السوطين، لا جديداً يجرح، ولا خَلِقاً لا يؤلم). وهذه العبارة الموجزة تختصر مبدأً عظيماً في الفقه الجنائي الإسلامي، هو مبدأ الاعتدال؛ فلا يُقصد بالعقوبة إتلاف الجسد، ولا إفراغها من معناها.

 

وفي السياق ذاته، قرر الإمام الكاساني في بدائع الصنائع( أن السوط لا يجوز أن يكون شديداً يؤدي إلى التلف، ولا ضعيفاً لا يحقق المقصود) وهنا تتجلى نظرة الشريعة إلى العقوبة باعتبارها وسيلة إصلاح وردع، لا أداة انتقام. فالتوازن مطلوب حتى في لحظة العقاب.

 

أما فقهاء المالكية، فقد شددوا – كما في المدونة الكبرى –( على أن يكون السوط خالياً من العقد والزوائد، حتى لا يتحول إلى أداة جرح أو تمزيق) وهذا القيد يعكس وعياً مبكراً بخطورة تحويل العقوبة إلى تعذيب جسدي، وهو ما يتنافى مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والكرامة الإنسانية.

 

ويأتي الإمام النووي في المجموع شرح المهذب ليكمل الصورة، مؤكداً( أن الضرب يجب أن يُوزع على الجسد، وأن تُجتنب المواضع الحساسة كالرأس والوجه.) ورغم أن هذا التوجيه يتعلق بطريقة التنفيذ، إلا أنه ينسجم مع طبيعة السوط ذاته، الذي يجب أن يكون صالحاً لتحقيق هذه الغاية دون إحداث ضرر بالغ.

 

إن تأمل هذه النصوص يقودنا إلى نتيجة مهمة: الشريعة لم تُعنَ فقط بتحديد العقوبة، لكنها اهتمت بكيفية تنفيذها وأداتها وحدودها. فالسوط ليس رمزاً للقسوة، بل أداة مقيدة بضوابط، تحرسها قواعد فقهية مثل (لا ضرر ولا ضرار) و(ادرءوا الحدود بالشبهات).

 

ومن هنا، فإن تصوير الجلد على أنه فعل عنيف مطلق هو قراءة مبتورة للسياق. فالحقيقة أن تطبيق هذه العقوبة في التاريخ الإسلامي كان نادراً، بسبب صعوبة الإثبات، وشدة الشروط، واتساع دائرة الشبهات التي تُسقط الحد.

 

في نهاية المطاف، يبقى السوط في الشريعة مثالاً على محاولة الموازنة بين حماية المجتمع وصون كرامة الفرد؛ بين الردع والرحمة، وبين النص وروحه. وهي موازنة لا تُفهم إلا بالنظر إلى المنظومة كاملة، لا إلى جزئية معزولة عنها.

اوصى ان تكون تلك السياط التى تظهر كل صباح فى المحاكم للرحمة والتوبة لا للالم والعذاب لان رسولنا الكريم ارسل رحمة للعالمين

والله المستعان.

عبدالشكور حسن احمد

المحامى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى