راي

(الدولة المدنية بمرجعية إسلامية) 

الدكتور عبدالقهار التجاني يكتب:

(الدولة المدنية بمرجعية إسلامية)

يُعد السلم الاجتماعي حجر الأساس لاستقرار المجتمعات وازدهارها، وهو حالة من التعايش السلمي والوئام بين أفراد المجتمع ومكوناته المختلفة، تقوم على احترام الحقوق وحل النزاعات بطرق سلمية.

وفي ظل المتغيرات المعاصرة وتعقيدات الحياة المجتمعية، تبرز الحاجة الملحة لإعادة قراءة مفهوم السلم الاجتماعي من خلال رؤية مقاصد الشريعة الإسلامية التي تهدف إلى حفظ مصالح الناس في كل زمان ومكان.

تقدم هذه الدراسة تحليلاً لمكانة السلم الاجتماعي في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، مسلطة الضوء على الأسس التشريعية التي تقوم عليها، ومظاهر الاهتمام النبوي بها، والتحديات المعاصرة التي تواجهها، مع اقتراح آليات لتجديد ثقافة السلم في مجتمعاتنا المعاصرة.

أولاً: المفهوم والمكانة المقاصدية للسلم الاجتماعي

1- مفهوم السلم الاجتماعي:

يعرف السلم الاجتماعي بأنه “حالة من التعايش السلمي والتفاهم بين مكونات المجتمع المختلفة، تقوم على احترام الحقوق، وحل النزاعات بطرق سلمية، وتعزيز العدالة الاجتماعية”.

ويشمل هذا المفهوم تحقيق الاستقرار التام بين شعوب وأعراق المناطق المختلفة نتيجة للتفاهم، وحسن الجوار، واحترام الرأي الآخر، وحل المشاكل بالاتفاق دون اللجوء إلى العنف.

2- المكانة المقاصدية للسلم الاجتماعي:

يُعتبر السلم الاجتماعي عاملًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار والأمن للمجتمعات، كما يُوفر العدل الكافل لحقوق الأفراد.

وقد جعلت الشريعة الإسلامية السلم الاجتماعي فريضة واجبة وجوباً شرعياً وليس حقاً فقط، فهو فريضة عينية على الفرد تجاه مجتمعه، وفريضة عينية على الدولة تجاه مواطنيها.

ثانياً : الأسس التشريعية للسلم الاجتماعي في الإسلام

1- تحقيق المقاصد الضرورية:
تقوم الشريعة الإسلامية على تحقيق خمسة مقاصد ضرورية هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

وهذه المقاصد تمثل في مجموعها الوسائل والإجراءات التي إذا تم تطبيقها واقعاً عملياً في حياة الناس لكان الأمن والسلام الاجتماعي نتيجة طبيعية، ذلك لأن جميع الجرائم مردها إما إلى الدين أو الشهوة أو المال.

2- العدل كأساس للسلم الاجتماعي:

العدل هو من يثمر السلم الاجتماعي، لأن المجتمع المضطرب والظالم لأهله، المستضعف لولدانه ونسائه هو مستنفع للفساد والاستبداد، لا مكان فيه للتنافس الشريف وللمواطنة الحقة ولا وجود فيه للتماسك بين أفراده.

وقد أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قواعد العدل والمساواة بين الناس، حتى تهدأ النفوس، وتنتهي الشحناء، ويسود الرضا والقناعة، فقال: “إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” متفق عليه.

3- الأمن كضرورة إنسانية:

الأمن ضرورة إنسانية، وفريضة معيشية، لا ينتظم بدونه شأن، ولا يتحقق من غيره هدف دنيوي ولا أخروي.

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين أساسيات الأمن كما في الأدب المفرد للبخاري: “من أصبح آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده طعام يومه، فكأنما حيزت له الدنيا”.

ثالثاً : مظاهر الاهتمام بالسلم الاجتماعي في السنة النبوية

1- تأمين الجوار:

من مظاهر الاهتمام بالأمن المجتمعي في السنة النبوية: الحث على أن يعم الأمان في التعامل بين الجيران، بحيث يكون الجار أماناً على جيرانه.

أما من كان يشكل مصدر خوف وقلق على جيرانه فقد نفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان، فقال: “لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه” رواه البخاري ومسلم.

2- تأمين الناس من أذى اللسان واليد:

تكاد السنة النبوية تحصر حقيقة الإسلام والإيمان في تأمين الناس من أذى اللسان واليد تأكيداً على هذا المبدأ العظيم، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”.

3- بث روح المحبة والسلام:

من مظاهر الاهتمام بالأمن الاجتماعي في السنة النبوية: الحث على بث روح المحبة والسلام بين أفراد المجتمع الواحد، فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على المحبة وعلى كل ما يعزز روابطها بين أبناء المجتمع.

فقال: “لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم” رواه مسلم.

رابعاً: تحديات السلم الاجتماعي في ظل المتغيرات المعاصرة

1- التحديات الداخلية:

• ضعف الوعي الاجتماعي: بمعززات العنف والصراع بين الأفراد، وعدم تجنب السلوكيات التي تؤدي إلى ذلك.
• غياب العدالة الاجتماعية: وانتشار التفاوتات الاجتماعية والتمييز كتصرفات غير عادلة.
• ضعف الحوار المجتمعي: وعدم البحث عن طرق للحوار والتفاعل التعاوني مع الآخرين الذين لديهم خلفيات متنوعة ووجهات نظر وقيم مختلفة.

2- التحديات الخارجية:

• وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي : التي قد تساهم في نشر الخطاب الذي يقلل من قيمة بعض الأفراد أو المجموعات.
• العولمة الثقافية: وما تفرضه من تحديات أمام الهوية والخصوصيات الثقافية.
• الأزمات الاقتصادية : التي تؤثر على استقرار المجتمعات وتوازنها.
خامساً : أهم القواعد الكلية وأثرها في الاستقرار

1- قاعدة “جلب المصالح ودرء المفاسد”:

تُعد هذه القاعدة من أهم القواعد الكلية، حيث تشكل الغاية العليا للشريعة الإسلامية. وقد قرر الإمام الشاطبي أن “الشريعة إنما شرعت لمصالح العباد”، وهذا يتجلى في:

أ‌- في الجانب السياسي:

• تحقيق مصلحة الأمة في تولية الأصلح
• درء مفسدة الفساد السياسي بالمساءلة والمحاسبة
• مراعاة تغير المصالح بتغير الأزمان

ب- في الجانب الاجتماعي:

• تحقيق التكافل الاجتماعي الزكاة والصدقات
• درء مفاسد الفقر والبطالة بأنظمة الضمان الاجتماعي
• تحقيق التوازن بين حقوق الأفراد والجماعات

2- قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”:

تقوم هذه القاعدة على موازنة المصالح والمفاسد عند التعارض، ومن تطبيقاتها:

أ‌- في الاستقرار السياسي:

• جواز التعامل مع الأنظمة غير الإسلامية عند الضرورة
• إباحة كتمان السرية السياسية للحفاظ على أمن الدولة
• مراعاة الظروف الطارئة في السياسات العامة

ب‌- في الاستقرار الاجتماعي:

• رفع الحرج عن الناس في الظروف الاستثنائية
• التدرج في تطبيق الأحكام مراعاة للواقع
• تقديم أهم المصالح عند تعارضها

3- قاعدة “المرونة والتيسير”:

تؤكد هذه القاعدة على يسر الشريعة ومرونتها، ومن مظاهرها:

أ‌- في النظام السياسي:

• تعدد صور أنظمة الحكم المباحة
• النظام الاقتصادي للمتغيرات
• مراعاة العرف في تنظيم الشؤون العامة

ب- في النظام الاجتماعي:

• مراعاة اختلاف الثقافات والعادات
• التيسير على الناس في المعاملات
• التنوع في وسائل تحقيق المقاصد

سادساً: آليات تفعيل القواعد الكلية في الدولة الحديثة

1- في المجال الدستوري والتشريعي

أ‌- اعتماد القواعد الكلية كمبادئ دستورية
o جعل مقاصد الشريعة مرجعية للتشريع
o تضمين الدستور مبادئ العدالة الاجتماعية
o اعتماد مبدأ التدرج في التشريعات
ب‌- بناء النظام القضائي على القواعد الكلية
o اعتبار القواعد الكلية مصدراً للتفسير القضائي
o تمكين القضاة من الاجتهاد المقاصدي
o إنشاء محاكم متخصصة للقضاء الإداري والدستوري

2- في المجال الاقتصادي والاجتماعي

أ‌- تحقيق التوازن الاقتصادي

o تطبيق نظام الزكاة والصدقات
o منع الاحتكار والممارسات الضارة
o تحقيق التكافل بين أفراد المجتمع
ب‌- بناء النظام الاجتماعي المتوازن
o حفظ كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية
o تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات
o بناء الأسرة كوحدة أساسية في المجتمع

ولا يتحقق السلم الاجتماعي المنشود إلا من خلال فهم مقاصدي راشد للشريعة، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويعمل على ترجمة هذه المقاصد إلى سياسات وبرامج عملية على أرض الواقع، مع الاستفادة من التجارب الإنسانية الناجحة في هذا المجال، مما يسهم في بناء مجتمعات قوية متماسكة، قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة والمستقبلية.

تمثل القواعد الكلية للشريعة الإسلامية نظاماً متكاملاً يحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي من خلال مرونته وشموليته وقدرته على استيعاب المتغيرات. فهي ليست مجرد نظريات مجردة، بل هي منهج حياة يستوعب الواقع ويتفاعل معه، ويحقق التوازن بين جميع مكونات المجتمع.

إن تفعيل هذه القواعد في الأنظمة المعاصرة يتطلب فهماً مقاصدياً عميقاً، وإرادة سياسية حقيقية، وآليات مؤسسية فعالة. كما يحتاج إلى اجتهاد جماعي يستلهم روح الشريعة ويواكب متطلبات العصر، مما يحقق الاستقرار المنشود ويحفظ حقوق الأفراد والجماعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى