راي

بين “الغيب” والتحصين: سرّ “الحصن النوراني” الذي يعجز السحر عن اختراقه!

بين “الغيب” والتحصين: سرّ “الحصن النوراني” الذي يعجز السحر عن اختراقه!

كتب / عبد الله احمد محمد دفع الله

منذ أن فتح الإنسان عينه على هذا الكون، وهو يبحث بين الظواهر والغيب عن أسرار الحماية والقوة، وعن معنى الطمأنينة حين تشتد العواصف. ولا شيء أثار فضوله مثل تأثيرات العالم الخفي – من أرواح وطاقات وسحر وحسد – تلك القوى التي تتقاطع فيها العقيدة بالنفس، والإيمان بالوعي، والسكون الداخلي بقوانين لا نراها، ولكن ندرك أثرها في هذا الفضاءٍ الواسعٍ الذي يمتد بين عالم الشهادة وعالم الغيب، تظلّ قضايا السحر والمسّ تثير لُبّ الإنسان وفضوله. هي قصصٌ تتناقلها الأجيال، لكن يظل السؤال الجوهري يلوح في الأفق: لماذا يعجز السحر أحيانًا عن الوصول إلى بعض الناس، وكأنّهم محاطون بدرعٍ خفيّ؟

إنّ الإجابة لا تكمن في صدفة، بل في منظومةٍ إيمانيةٍ وطاقيةٍ أثبتها الوحي والعلم معًا، وكشف سرّها العجيب ومن بين هذه الشهادات المؤثرة التي نُقلت عن ساحرٍ تاب إلى الله، ظهرت حكاية تضيء سرًا عجيبًا حول سرّ التفاوت في تأثر الناس بقوى السحر. يقول هذا التائب: “كنت أرسل الجن ليؤذوا الناس، فمنهم من يُصيبونه في لحظة، ومنهم من يعودون إليّ قائلين: رأينا ظله ولم نقدر على الاقتراب منه، أو سمعنا صوته ولم نعثر عليه. وهناك فئة لا يجدون لها أثرًا أبدًا مهما أرسلتُ من مردة وعفاريت، فيعودون قائلين: طُفنا الأرض شرقًا وغربًا فلم نستطع الوصول إليه.”
ثم يضيف وهو نادم:
“عرفتُ بعد توبتي أن هؤلاء محصّنون بنور الإيمان والذكر، فهالاتهم مضيئة، وقلوبهم معلّقة بالله، فلا تُبصرهم الشياطين ولا تقوى على مسّهم.” فالمؤمن المتحصّن الذاكر لله، يغدو في حصنٍ من نورٍ وذبذبات عالية، لا تستطيع الشياطين رؤيته أو اختراقه. إنّ السحر لا يصطاد إلا القلب الغافل عن ذكر الله”.

إنها شهادة تُعيد إلى الذهن حقيقة إلَٰهيٌّة لا يعتريها شك: الحماية الربانية ليست خيالًا، بل وعدٌ لمن صَدَق واتصل بخالقه. هذا الاعتراف الصادم لا يعدو كونه تجسيدًا حيًا لوعدٍ إلَٰهيٍّ صريحٍ في كتاب الله. يقول المولى عز وجل في محكم تنزيله:
{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} (سورة الإسراء: 45)

“حجابًا مستورًا”… هذه الآية تقودنا إلى بعدٍ عميق في مفهوم التحصين: حجاب غير مرئي يمنحه الله لعباده الصادقين، فيغدو المؤمن في حصن نوراني لا تُدركه أعين الشرّ ولا تصل إليه خيوط السحر.

وهذا ما يتوافق تمامًا مع مفاهيم علم الطاقة الحديث، التي تتحدث عن “الهالة الإنسانية” وهي مجالٌ طاقيٌّ كهرومغناطيسي يحيط بالجسد ويتأثر بالإيمان والعقيدة والصفاء النفسي.

*الطاقة السلبية (السحر والجن):* هي ذبذبات منخفضة التردد، تعمل في نطاق الظلام واليأس والذنب.

*الطاقة الإيمانية (القرآن والذكر):* هي ذبذبات عالية التردد، تُشعّ نورًا وصفاءً ويقيناً. عندما يداوم الإنسان على الذكر والقرآن، ترتفع ذبذبات هالته لتصبح درعًا عالي التردد، لا تستطيع طاقة السحر المنخفضة اختراقه، وكأنّها تحترق بمجرد محاولة الاقتراب منه. النور يطرد الظلام، وهذه حقيقة كونية!

*التحصين الحقيقي:* منظومة حياة لا مجرد كلمات! التحصين الذي يعجز السحر عن اختراقه ليس مُجرّد وِرد يُقال بلسانٍ غافل، بل هو منظومة متكاملة من اليقين القلبي والعمل المُلازم، يقوم على ركائز أساسية.

*اليقين المطلق والتوكّل القلبي:* الإيمان بأنّ الله هو “خير حافظًا” وأنّ الضرّ والنفع بيده وحده، وأنّ السحر لا يضرّ إلا بإذنه. هذا اليقين هو مفتاح الطمأنينة التي لا تُشترى.

*المداومة على أوراد الحفظ:* خاصة أذكار الصباح والمساء، وقراءة سورة البقرة وآية الكرسي والمعوّذتين، بتدبّر وخشوع.

*الطهارة المستمرة وتجنّب الذنوب:* الذنوب هي “ثغرات الطاقة” التي يدخل منها الشيطان. تطهير القلب والجوارح يُغلق أبواب المسّ والوسوسة.

*القرآن هو الحصن الأعظم:* قراءة القرآن بتدبّر، خاصةً أوقات السكون والليل، تنشئ “حجابًا مستورًا” من نور وشفاء، مصداقًا لقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا
هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}.

*خاتمة:*
ليست الحماية من السحر ضربًا من الخيال أو حظًا يُصيب البعض ويُخطئ البعض، بل هي وعدٌ إِلَٰهيٌّ مشروط بالوصل الإيماني. وليس في هذا الكون قوة أعلى ولا أعظم من قوة الإيمان، ولا درع أمتن من التوجه إلى الله بقلبٍ حاضر ولسانٍ ذاكر وروحٍ خاشعة. فمن جعل بينه وبين الله وِصالًا متينًا بالذكر والقرآن، جعل الله بينه وبين كل شرٍّ حجابًا مستورًا، لا تراه العيون ولا تخترقه قوى الجنّ ولا الشياطين.
فليكن ملجأنا يقيننا، وسلاحنا نور القرآن، وقرارنا أن نعيش لله… فيحفظنا الله. ومن اعتصم بالله فلن يُهزم، ومن احتمى بنوره لن يراه الظلام.
قال تعالى:{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى