راي

السودان…قلبٌ غنئ تتنازعه (الاطماع)

السودان…قلبٌ غنئ تتنازعه (الاطماع)

كتب / عبد الله حاج احمد

——————–

يبدأ التحليل العميق لأي أزمة تمر بها الأمة الإسلامية، وتحديداً بلادنا السودان، من منطلق نبوي لا يزال يصدح بالواقعية المدهشة. في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود، يروي ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا…». وحين سُئل: وَمِنْ قِلَّةٍ نحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ كانت الإجابة المزلزلة: « بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءُ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ» . فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : ” حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَة الْمَوْتِ ”
هذا الحديث النبوي الشريف يلخص واقعًا مؤلمًا تعيشه أمتنا الإسلامية اليوم، وفي القلب منها بلادنا السودان، التي طالما كانت ساحةً تتكالب عليها الأمم، وتتنازع حولها القوى الإقليمية والدولية، كما تتنازع الأكلة على قصعتها. فالتكالب الخارجي على هذه البلاد ليس ظاهرة عابرة، بل هو حقيقة تاريخية ثابتة ومعادلة جيوسياسية تتجدد فصولها مع كل ضعف داخلي.

*السودان… قلبٌ غنيّ تتنازعه الأطماع*

السودان ليس مجرد أرض شاسعة، بل هو سلة غذاء محتملة للعالم، ويحتوي على احتياطات ضخمة من الموارد الطبيعية كالمعادن الثمينة (الذهب، الكروم، اليورانيوم) والنفط، بالإضافة إلى الثروة الحيوانية الهائلة والمياه الوفيرة. فموقعه الجغرافي الاستراتيجي، الممتد بين العالمين العربي والإفريقي، وثرواته الطبيعية الهائلة، جعلته مطمعًا للدول التي تبحث عن النفوذ والموارد.

منذ فجر التاريخ، مرّت على السودان حملات استعمارية متتالية – ولم يكن الهدف منها إلا استغلال خيراته والسيطرة على موقعه الحساس الذي يشكل بوابة إفريقيا إلى العالم العربي. واليوم، وإن تغيّرت الأسماء والأعلام، فإن الأساليب لم تتبدل كثيرًا؛ فالتدخّل بات ناعمًا حينًا، وخشنًا أحيانًا، تحت شعارات “المساعدات الإنسانية” و“الإصلاح السياسي” و“الدعم الدولي”. هذه التوليفة تجعله هدفاً استراتيجياً تسعى قوى إقليمية ودولية للسيطرة على عوائدها بأبخس الأثمان.

*أسباب التكالب:*

حين تتقاطع المصالح وتغيب السيادة
إن المتأمل في الصراع الدائر والمؤامرات المحيطة بالسودان يدرك أن دوافع هذا التداعي الخارجي تنقسم إلى أبعاد مترابطة:

*1. البعد الاقتصادي (الكنوز المطمورة):*

السودان أرض الفرص الكبرى، بثرواته الزراعية والمعدنية والنفطية. لذلك تتسابق القوى الدولية لمدّ نفوذها في أراضيه، لضمان موارد الطاقة والمعادن، والتحكم في طرق التجارة والموانئ.

*2. البعد الجيوسياسي (بوابة القارة):*

موقع السودان كجسر يربط بين العالم العربي وإفريقيا، بالإضافة إلى امتداده على ساحل البحر الأحمر، يمنحه أهمية قصوى في ميزان القوى الإقليمي والدولي. فزعزعة استقراره أو السيطرة عليه يعني التحكم في جزء كبير من أمن المنطقة وتأمين طرق الملاحة الحيوية.
*3. البعد الأيديولوجي والثقافي (هندسة الهوية):*

على الرغم من طغيان المصالح الاقتصادية والسياسية، إلا أن الصراع قد يحمل في طياته أبعاداً تتعلق بالهوية الثقافية والدينية، حيث تحاول بعض القوى الخارجية تقويض أي نموذج وحدوي أو نهضوي يستند إلى الهوية الإسلامية والعربية للسودان، إمعاناً في التفتيت والتقسيم. وذلك عبر دعم أجندات تخدم مصالحها في إضعاف الدولة المركزية وتقسيمها إلى كيانات متصارعة يسهل التحكم بها.

*النتائج الكارثية للتداعي على القصعة*

التكالب الخارجي لا يقف عند حدود التخطيط، بل يمتد تأثيره ليطال صميم وجود الدولة:

*الزعزعة الأمنية والتقسيم:*

التدخلات الخارجية تستغل الانقسامات الداخلية وتغذيها بالمال والسلاح، مما يؤدي إلى فوضى مستمرة، وانهيار لسيادة الدولة، وتهديد حقيقي بالتقسيم يهدد وجود السودان كدولة موحدة.

*نزيف الأدمغة وهجرة الكفاءات:*

الخسارة الأكبر للسودان تكمن في هجرة الكفاءات والأدمغة الشبابية التي تبحث عن الاستقرار والأمان، مما يعيق أي محاولة جادة لإعادة الإعمار والتنمية المستقبلية، ويُبقي على حلقة مفرغة من التبعية

*إعاقة التنمية المستدامة:*

في ظل الصراع، تتحول الموارد الوطنية من البناء والتنمية إلى الدفاع عن الوجود، وتُهدر الطاقات البشرية في صراعات غير مجدية، ويبقى السودان رهينة الفقر على الرغم من ثرائه.

*الجبهة الرابعة: سلاح الشباب والتعليم*

بالإضافة إلى العلاجات السياسية والاقتصادية التقليدية، يجب التركيز على جبهة المقاومة الفكرية والاجتماعية لمواجهة الوهن، وتحديداً عبر محورين أساسيين:
*1. التمكين الشبابي والمسؤولية:*

الشباب السوداني هو مخزون الأمة الاستراتيجي. يجب توجيه هذه الطاقة الهائلة نحو البناء والابتكار بدلاً من الانخراط في الصراعات. عبر توفير الفرص التعليمية والمهنية المتقدمة، يتم تحويل الشباب من “غثاء السيل” إلى طليعة حاملة لمشروع وطني جامع.

*2. إصلاح المنظومة التعليمية:*

التعليم ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو صناعة للوعي الوطني. يجب أن يركز المنهج التعليمي على تعزيز الوحدة الوطنية، وتاريخ السودان المشترك، وفقه الاختلاف، ومحاربة الأيديولوجيات الهدامة التي تزرع الفتنة والفرقة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من طاولات الدراسة حيث تُبنى الأجيال القادرة على صون السيادة.

*الوصفة النبوية لمواجهة التكالب: علاج “الوهن”*

إن علاج التداعي الخارجي يبدأ من معالجة سبب “الوهن” الداخلي الذي شخصه الحديث النبوي بدقة: “حب الدنيا وكراهية الموت”. هذا التشخيص يرسم لنا خارطة طريق للمواجهة الفعالة:

تعزيز الوحدة الوطنية: الوحدة هي الحصن المنيع. يجب تجاوز الانتماءات القبلية والجهوية والمذهبية الضيقة ليكون الانتماء الأوحد والأعلى هو “السودان”. سودان موحد ومتكاتف لا يمكن اختراقه.

الاعتماد على الذات (اقتصاديًا وعسكريًا): يجب أن يتحول الاهتمام من استجداء المساعدات إلى استغلال الموارد الوطنية بشكل كامل. بناء اقتصاد منتج لا مستهلك، وتطوير قدرات دفاعية تعتمد على الكفاءات الوطنية لإبعاد اليد الأجنبية عن القرار السيادي.

التعاون الاستراتيجي والبناء الإقليمي: بدلًا من العزلة، يجب بناء تحالفات استراتيجية قوية وشفافة مع الدول الشقيقة والصديقة، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا التبعية والارتزاق.

*بناء الإرادة والوعي:*

محاربة “الوهن” تبدأ بإحياء روح التضحية والهمة في نفوس الشعب والقيادة، والعمل على تعميق الوعي بخطورة المؤامرات الخارجية وأهمية الحفاظ على السيادة والكرامة الوطنية.

*الخلاصة:*

السودان ليس بلدًا عاديًا… إنه وطن يختزن في ترابه تاريخًا مجيدًا، وفي شعبه طاقة هائلة، لو وُجِّهت نحو البناء لا الصراع، لتحوّل إلى منارة في إفريقيا والعالم العربي.

إن قضية تكالب الأمم على السودان تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة، لا تكتفي برد الفعل على المؤامرات، بل تتصدى للسبب الأصلي وهو الضعف الداخلي والوهن في النفوس. فما لم يتوحد الصف وتستيقظ الإرادة وتُعالج أمراض النفس عبر جبهة التعليم والوعي القوية، ستبقى القصعة السودانية محط أنظار كل جائع. الوحدة، والاعتماد على الذات، والاستثمار في العقول الشابة، هي مفاتيح صون الكرامة والسيادة وبناء السودان المستقر والمزدهر.

ولعلّ ما نعيشه اليوم من تحديات هو جرس إنذارٍ يدعونا إلى أن ننهض من غفوتنا، ونستعيد مكانتنا بين الأمم.
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”
فلنبدأ من أنفسنا، ولنعمل معًا من أجل سودانٍ قويٍّ، موحدٍ، مستقلٍّ، ومزدهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى