احذروا(سماسرة) المسؤولين..!

آخر الكلام
هاشم القصّاص
احذروا سماسرة المسؤولين
في زيارتي الأخيرة إلى مدينة بورتسودان مطلع هذا الشهر، لم أجدها كما كانت — تلك المدينة الوديعة التي ترقد على ضفاف البحر الأحمر في ثغرنا الحبيب. تغيّر وجهها كثيرًا، وصارت تضجّ بحركة لا تشبه هدوءها القديم؛ الكل هناك يلهث خلف المسؤولين، يسعى إلى التقرب منهم وتشكيل دوائر مغلقة لتبادل المصالح والمنافع.
مشهدٌ عجيب ومثير للسخرية في آنٍ واحد؛ معلومات تُتداول هنا وهناك بلا قيمة، فقط لتغذية علاقات آنية قائمة على المصلحة لا المبدأ. دائرة ضيقة تحكمها الحسابات الشخصية، يغيب عنها صوت المصلحة العامة وروح المدينة التي كانت يومًا مثالًا للنقاء والبساطة.
وللأسف، أصبح بعض الصحفيين يُوزَّعون على المسؤولين بحكم الجغرافيا والتاريخ، وكأنهم ملكيات خاصة؛ هؤلاء جماعة فلان، وأولئك جماعة فلان آخر، يتقاسمون الولاءات والمنافع، وهم حصريًّا عليه في أوقات المغنم والصعود، بينما يغيب صوت المهنية والواجب ساعة المحنة والانكسار.
وحتى إعلام الأجهزة الخاصة لم يسلم من هذا الداء فقد أصبح متنازعًا بين المستشارين والسماسرة وأصحاب الولاءات الضيقة والمنافع الخاصة. واقعٌ مؤلم يحتاج إلى مراجعة جادة وعلاجٍ عاجل قبل أن يتحوّل إلى مرضٍ مزمن يقضي على ما تبقّى من مصداقية الإعلام الوطني.
وهناك من كبار الصحفيين من ينصّب نفسه ملكًا على الكل، وكأن مجال الإعلام حديقةٌ خاصة ممنوع الاقتراب والتصوير فيها او عندها هي لهم، ليست لسواهم، ومن دونهم أولى صحافة وأولى إعلام. يمارسون الإقصاء والتهميش بلباقةٍ ظاهرية، لكنهم في الحقيقة يغلقون الأبواب في وجه الكفاءات الجديدة ويصادرون حق الآخرين في التعبير والظهور.
ومع ذلك، باتت المعلومات تُنثر على الهواء مباشرة، يتسابق فيها البعض لتقديم ما لديهم من أسرار وحقائق — أو ما يظنونه كذلك من وهمٍ وعدم إدراكٍ لقيمة المعلومات وأهميتها — طمعًا في القرب أو الرضا. أصبح كلٌّ يستلقي في دائرةٍ معزولة، وكأن جسد السودان توزّع بين قياداتٍ ومراكز قوى بعينها، تتبادل المعلومات وتوزّعها كسبقٍ صحفي للناشطين والإعلاميين.
وأكثر ما يثير القلق أن أغلب تلك المعلومات تُستخدم لتصفية الحسابات، وتُدار عبر فئةٍ محددة من الصحفيين و(من الناشطات) اللواتي نصبن أنفسهن وصيّاتٍ على الحقيقة، تدّعي كلٌّ منهن المعرفة والوصل المطلق (والوَصل بليله) في زمنٍ يجب أن تتوحّد فيه قناة التصريحات والبيانات. إنه زمن المهزلة — زمن بيع القيم والضمائر في سوق العمالة والارتزاق العالمي، بدراهم معدودة، وهم فيه من الزاهدين.




