في رحاب الشاعر (الجنرال).. عوض احمد خليفة

في رحاب الشاعر (الجنرال).. عوض احمد خليفة
بقلم / محمود الشين
في منتصف النهار بتوقيت (ألوان) يأتي متأبطا صحيفة (مكرفسة) علي قول الوراقين في المكتبات القريبة من مكاتبنا إلي تقع إلي الغرب قليلا من شارع الشهيد علي عبداللطيف وسط الخرطوم.
وهو بكامل زيه (الإشتراكي) ذو اللون الرمادي الغامق ولا أدري كيف جمع الرجل العصامي ما بين إشتراكية الزي ونزوعه الذي لا يخفي نحو القومية العربية علي أيام الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر. كان الشاعر الراحل أبو آمنه حامد يرتاد مباني الصحيفة بإنتظام ليكتب عموده الصغير “دبايوا” ويلطف اجواء صالة التحرير بتعليقاته الساحرة.. وعندما تواري اللواء عوض احمد خليفة عن الأنظار واعتكف ليؤم المصلين في مسجد السادة الأدارسة بالموردة.. ردد الشاعر أبو آمنه مقولته الشهيرة : (عوض ده عشرة الأيام براها بدخلو الجنة).. كانت روح الدعابة هي السائدة في الوسط الفني الشفاف.
اللواء عوض أحمد خليفة صاحب “عشرة الأيام” و”ربيع الدنيا”.. اسمه بالكامل العوض وداعة الله أحمد خليفة، من مواليد هذا الحي (الموردة) حيث نسير في طريقنا إلي مركز شباب ام درمان.. رجل متعدد المواهب والقدرات.
إذا كانت ملهمة الشعراء بالإتجاه الشمالي الشرقي لأم درمان القديمة هي “غزال المسالمة” ، فإن المنطقة الممتدة من بانت إلي العرضة غربا وحتي حي العرب شمالا لها ملهمة أو ربما عدة ملهمات .. هن “أماني، منايا، اميرة..).. هذه الأسماء وردت في اشعار بعض شعراء الحقيبة ومنهم الشاعر ابو صلاح المولود في العام ١٨٩٠م ويقال إن ملهمته من حي العباسية.
والشاعر الثاني هو عبدالرحمن الريح ١٩٢٠م(يا مني عمري وزماني) وكانت ملهمته معروفة كما سياتي ذلك لاحقاً. لكن ما هو مدهش ان تلك الأسماء ذكرت في اشعار كل من عبد المنعم عبد الحي ١٩٢٢م وهو يكبر عبد الرحمن الريح بعامين وعوض جبريل الذي يكبر اللواء عوض أحمد خليفة بعام واحد.
والأخير هو القائل :
يا اخت روحي يا اماني هوايا..
ينظر له الناس من عدة زوايا، عسكري شديد الانضباط، إداري مقتدر، شاعر مرهف وصحافي حصيف .. وبذلك شيد عوض أحمد خليفة امبراطوريته الاجتماعية الكبيرة .. اعتقد أن” أبو آمنه حامد” لم يظلمه.
هذا الانضباط يبرز بوضوح حتي في اشعاره ووعده الحاسم :
ليك نزرت عمري
ليك رقيق حناني
ومن جنّات هوانا
نهدي الناس اغاني.
كل هذا من اجل (غاية الآمال) :
يا غاية الآمال
لو دعاك الشوق
ماكان جفيتنا زمان
وانت الحنان والذوق.
خوف وحرمان :
وريني ليه بتخاف تكتم عواطفك ليه
وحبك مع الأيام من قلبي ليك بحكيه
تبخل علي بلقاك وعطفك دوام تخفيه
وعطفك أمل قدرته عشت السنين راجيه.
إنه يدرك حقيقة تلك الملاك :
عارفك وديع ورزين أجمل ملاك في الكون
وعارف عفافك فطره لكن حنانك وين
مابصح وأنت قريب يكويني جمر البين
مادام قلوبنا أتلاقوا و أرواحنا قالت زين.
لكن انظروا ماذا تعني له تلك الأميرة في (صدقيني) :
وانت في دنياي آمالي واهلي .. كل صحبي
كل زهرة ندية يانعه .. انت رياها وعبيرها
كل فرحة في فؤادي .. انت لحظاتها المثيرة
كل لحظة عمقت في قلبي حبك واحترامك يا اميرة.
كفكفت من عيني دمعات الليالي وقسوة الايام وجورها.
يبدو ان الأمر يستدعي المزيد من الضمانات والتاكيد :
صدقيني وحياة غرامنا.. ما كذبت عليك في حبي
صدقيني أبداً ولا حولت عنك مرة… قلبي.
وهل يكفي ذلك؟ بالطبع لا :
ﻗﻠﺒﻚ ﻣﻌﺎﻱ ﺷﻮﻳﺔ ﻳﺎ ﺍﻋــــــﺰه
ﺣﺒﻴﺒــــــــــﺔ ﻟﻲ
ﻭﺍﺫﻛﺮﻳﻨﻲ ﻳﺎ ﺍﻏﻠﻲ ﺩﺭﺓ ﻛﻞ ﻟﺤﻈـــــــــــــﺔ ﻭﻛﻞ
عشيه
ﻓﻲ ﻫﻮﺍﻙ ﺟﻔﺖ ﺩﻣﻮﻋﻲ … ﻭﻓﻴﻪ ﻛﻢ .. ﻛﻢ
ذوبت ﺫﺍﺗـــــــــﻲ
ﻓﻲ ﺭﺿﺎﻙ ﺍﻓﻨﻴﺖ ﺷﻤــــــــــﻮﻋﻲ ﻗﻠـــــﺖ
ﺍﺻﺪﻕ ﺍﻏﻨﻴـــــــــﺎﺗﻲ
ﻓﻲ ﻗﺪﻭﻣــﻲ ﻭﻓﻲ ﺭﻭﺍﺣـــــــــﻲ .. ﺍﺷﺪﻭ ﺑﻲ ذﻛﺮﺍﻙ
ﻭﺍﻫﺎﺗـــــــــــﻲ
ﺍﻣﻠـــــــــﻲ ﺍﺳﻌﺪ ﻓﻲ ﻏﺮﺍﻣـــﻚ ﻭ ﺑﻴﻬﻢ ﻳﺪﻭﻡ
ﺍﻧﺸــــــــــــــﺮﺍﺣﻲ.
عندما يطول الغياب، تبعد المسافات،تتراجع الطموحات ، تبقي النظرة الخاطفة هي “مطلب متواضع” في رحلة البحث عن غاية الآمال :
من بعيد تكفيني منك .. لفته او طيف ابتسامة
نظرة تفضح سر عيونك فيها نجواها وكلامها
فيها من معني المحبة رقتها وخيرها وسلامها
فيها ما يغنيني طول ايامي عن سور الندامة
غير ان لعوض احمد خليفة هواجس ومخاوف من تلك الفئة الفضولية :
كل من جهل الحقيقة .. سألني عن سرك معايا
لكني خايف .. لو ادل الناس عليك يا اغلي غاية
كل واحد في خيالو بكرة يتخيل حكاية
وانت ابعد ما تكوني عن الاقاويل والوشاية.
إذا كان عبد المنعم عبد الحي يقول(حبيبي الساكن البوادي)، فإن عوض أحمد خليفة امدرماني الهوي :
في ربوع ام در هناك
في دياري البفتديها
وباركت حبي وهواك
ماخطر او دار ببالي
يمكن يفرقنا البعاد
وافضل اتساءل نسيتني
ولا شوقك لي زاد
عمري ماحبيت فراقك
لحظة يانور العيون.
إن الناس يتعلمون من تجاربهم مهما كانت قسوتها وهذه
حكمة السنين :
لو كان التمني
بينفع كل حبيب
ما كان السعادة
السعادة ما كان السعادة
بقت قسمة و نصيب
و لا قلوبنا الحيارى
مع الأيام تشيب
و لا عاش قلبي تايه
في حبك غريب.
هل بدأ اليأس :
لا تأسى يا قلبي بكرة مع الليالي تلقى جرحـــــك التـــــــأم
لوتسمو في حبك تحس .. بي راحة في وخز الالـــــــــــــــــم
الحب عطاء … جزى الكريم يا قلبي عند الناس عــــــدم
صدقني يا قلبي المتيم في الحقيقة الحب وهــــــــــــــــــــــــم.
ينصح ذاته :
الحب وهم وخيال اذا تابعتو بتسهر عيـــــــــــــــــــــوني
الحب شعور واحساس اذا عانيتو .. بتعمق شجــــــوني
الحب ظنون يا قلبي لو ثارت تحطم كل يقــــــــــــــــــيني
كفاية ضيعت الشباب ودفعت للحب كل سنــــــــــــــــيني
كان عوض أحمد خليفة غيوراً ولا ينكر ذلك :
ﻟﻤﻦ ﻧﺎﺭ ﺍﻟﻐﻴﺮﺓ ﺗﻌﻤـــــﻲ .. ﻗﻠﺒﻲ ﻋﻦ ﻧﻮﺭ
ﺍﻟﺤﻘﻴــــــــــــــــﻘﺔ
ﺍﻭ ﺍﻗـــــﻮﻝ ﺍﻧﺴﺎﻩ ﺣﺒﻚ ﻭﺍﻛﺘﻢ ﺍﺷــــــﻮﺍﻗﻲ
ﺍﻟﻌﻤﻴــــــــــﻘﺔ
ﺭﻏﻢ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻲ ﻭﻇﻨـــــﻮﻧﻲ ﺗﺴﻤـــــﻮ ﻋﺎﻃﻔﺘﻲ
ﺍﻟﺮﻗﻴﻘﺔ
ﺍﻫﺪﻱ ﻟﻴﻚ ﺣﺒﻲ ﻭﺳﻼﻣﻲ ﻛﻞ ﻟﺤـــــــــﻈﺔ ﻭﻛﻞ
ﺩقيقه.
مشكلة الرجل انه بقي بين تراجيديا النسيان وعنفوان الرغبة في مد جسور التواصل في زمن صرامة التقاليد الاجتماعية، وانا سعيدخ بمحنة هؤلاء الشعراء لأن معاناتهم انتجت لنا هذا الإرث الخالد :
حاولت امنع نفسي منك وتانى ما امشي واجيك
ورحلت عنك وعن دياري وهـدمت كُل امل لديك
وبرضي ما قادر اسيبك لما انساك بشتهيك
مع كل دفقاتي الحنينة وكل دمعة شوق سجينة
تهاتي بيك روحي الحزينة واشقى لما تهاتي بيك
وريني كيف اغفر وانت اضعت كل آمالي فيك.
الف رحمة ونور للرجل الطيب القلب.



