(مستريحة).. الشرارة التي كشفت المستور..!

(مستريحة).. الشرارة التي كشفت المستور..!
كتب / عصام دقداق
في الحروب لا تسقط كل القوى بالسلاح فقط هناك قوى تنهار من الداخل وهذا بالضبط ما أراه يحدث الآن من يتابع المشهد عن قرب يدرك أن ما يجري داخل قوات الدعم السريع لم يعد مجرد خسائر ميدانية بل أزمة حقيقية تضرب في عمقها المسألة لم تعد تقدمًا أو تراجعًا بل تفكك داخلي واضح بدأ يظهر للعيان الحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها إن هذه القوة لم تُبنَ على مشروع واضح بقدر ما بُنيت على روابط قبلية كانت الفزع هي الأساس وكانت القبيلة هي الرابط الأقوى لكن هذا النوع من التماسك لا يصمد طويلًا لأنه يتحول سريعًا إلى نقطة ضعف عندما يشعر طرف بأنه مهمش أو مستهدف عندها يبدأ التماسك في الانهيار من الداخل
ما حدث في مستريحة لم يكن حدثًا عابرًا استهداف موسى هلال تحديدًا كان نقطة تحول حقيقية هذا الرجل له ثقله وله امتداده الاجتماعي وما جرى معه ترك أثرًا كبيرًا داخل مكونات بعينها نجاته ثم اقترابه من القوات المسلحة التفرقة والعنصرية داخل مكونات الدعم السريع أعاد ترتيب الحسابات لدى كثيرين
ثم جاء انضمام النور القبة وهنا بدأت الصورة تتضح أكثر لم يعد الأمر مجرد موقف فردي بل أصبح مؤشرًا على بداية مسار وعندما يلحق به قريبا على رزق الله المعروف بالسافنا وهو أيضًا من أبناء المحاميد المرتبطين بموسى هلال فإن الأمر لم يعد قابلًا للتجاهل ما يحدث ليس صدفة بل بداية موجة
هنا لا بد من التوقف عند شخصية السافنا نفسه فهو رجل متقلب في مواقفه لا يبدو أنه استقر يومًا على اتجاه واحد ثابت منذ انضمامة لحركة تحرير السودان للعدالة بقيادة كاربينو في العام ٢٠٠٥ ظل يغير مواقفه باستمرار حيث عاد للخرطوم في العام ٢٠١٣م وتم استيعابه في القوات المسلحة في الفرقة عشرين مشاة بالضعين ضمن الترتيبات الأمنية بالدوحة وفي العام ٢٠١٦م تم منحه رتبة مقدم في القوات المسلحة وخلال اشتباك أثناء هجوم منزل الوالي اللواء انس عمر أصيب السافنا وغادر للعلاج ثم تمرد مرة أخرى واليوم أرى نفس المشهد يتكرر ولكنه في الوقت نفسه عندما يختار جهة ينتمي إليها يظهر مواقف واضحة تجاهها غير أن هذه المواقف لا تدوم طويلًا إذ سرعان ما يظهر لديه قدر من التململ والتغير حسب تطورات الواقع وبالتالي فإن الحديث عن عودته اليوم لا يزال في حدود التكهنات رغم أن قراءة المشهد تشير إلى أن عودته تبدو أقرب من أي وقت مضى
وحتما سيقوده الطريق للانضمام إلى مجلس الصحوة الثوري باعتباره أحد أبناء مكون المحاميد خاصة وأن الانتماء القبلي ما زال في كثير من الحالات أقوى من أي انتماء آخر وفي المقابل بعد مغادرة موسى هلال والنور القبة يبدو أن بقاء السافنا داخل الدعم السريع أصبح وضعًا هشًا وغير مستقر خصوصًا في ظل تصريحاته الأخيرة وما يحيط بها من توتر داخلي لذلك لا يبدو أن الرجل في مأمن من احتمالات الغدر داخل بنية يقودها عبد الرحيم دقلو وهو ما يجعل خياراته محدودة
ومن هنا يمكن فهم حالة التردد والإنكار التي ظهرت في بعض التسريبات الصوتية المنسوبة إليه والتي تضمنت نفيًا لأي انسلاخ في تقديري هذا النفي لا يخرج عن كونه محاولة للتموضع المؤقت وكسب الوقت والخروج إلى بر الأمان قبل اتخاذ خطوة نهائية خاصة في بيئة لا تثق فيها القيادات بعضها ببعض
في تقديري ما سيحدث خلال الأسابيع القادمة قد يكشف اتجاهه بشكل أوضح سواء نحو إعادة التموضع في سياق جديد يفرضه الواقع الميداني المتغير أو البقاء في حالة انتظار حذرة داخل المشهد نفسه
في كل الأحوال ما يحدث مع السافنا ليس حالة منفصلة بل جزء من مشهد أكبر يتشكل ببطء عنوانه الأبرز أن الانتماء القبلي ما زال هو العامل الحاسم في إعادة تشكيل الولاءات أكثر من أي خطاب سياسي أو عسكري آخر
ما يحدث الآن يعني أن الدائرة تضيق ال دقلوا مع كل انشقاق تقل المساحة ويصبح الوضع أكثر انغلاقًا على نفسه وإذا استمر هذا المسار فلن يكون مستغربًا أن ينتهي به الحال محصورًا في نطاق ضيق في مواجهة مجتمع أوسع يمتد من دارفور إلى كردفان إلى بقية السودان وهذه مواجهة غير متكافئة
في تلك المرحلة لن يكون الضغط عسكريًا فقط بل ضغطًا اجتماعيًا وسياسيًا أيضًا وستجد قيادة التمرد نفسها أمام واقع صعب إما الاستمرار في مواجهة خاسرة أو القبول بتنازلات تفرضها الظروف في محاولة للخروج بأقل الخسائر الممكنة
أنا لا أقول إن الصورة اكتملت لكن المؤشرات واضحة ما يجري ليس عابرًا بل بداية تحول كبير التماسك الذي كان يبدو قويًا بدأ يتآكل ومع كل يوم تتسع الفجوة أكثر وحتما سيفكك الدعم السريع نتاج غرور عبدالرحيم دقلو وسطوة الماهرية
والأقرب من ذلك كله أن النهاية لن تأتي بصوت عالٍ كما يتوقع البعض بل ستأتي تدريجيًا حين يتبين أن كثيرًا من الولاءات لم تكن ثابتة أصلًا وأن ما جمعه الظرف يفرقه الظرف نفسه وحينها لن يكون هناك ما يمكن إنكاره أو تأجيله بل واقع جديد يُفرض على الجميع دون استثناء




