راي

القرآن الكريم .. المعجزة الخالدة..كتب عبد الله أحمد محمد دفع الله

____________
القرآن الكريم: المعجزة الخالدة التي تُبهر العقول وتُحير التكنلوجيا
الحمد لله الذي أنزل القرآن هُدى ورحمةً للعالمين، وجعله معجزةً خالدة لا يعتريها التحريف، ولا تنال منها عوادي الزمن، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأحبة،
نقف اليوم أمام عظمة لا تضاهيها عظمة، ومعجزة خالدة تتجدد مع كل عصر وزمان، إنه القرآن الكريم، كلام الله المنزل، الذي يعلو ولا يُعلى عليه.
في زمن تتسارع فيه الاكتشافات وتتطور فيه التكنولوجيا بشكل مذهل، ونرى ما يسمى بتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تُبهرنا بقدراتها الخارقة، والتي باتت تقدم إبداعات تُُدهشنا في شتى مجالات الحياة، وتقدم حلولًا تتجاوز تصورات العقول في مجالات الهندسة، والطب، والفضاء، والتصميم إلى الفيزياء والرياضيات وغيرها…، حيث يكفي أن نزود الآلة بالمعلومات ونضغط زراً لنحصل على نتائج تفوق الخيال في كثير من الأحيان.
ولكن، ومع هذا التقدم الهائل، يبقى سؤالٌ واحدٌ معلقًا: هل يستطيع هذا الذكاء الاصطناعي ، بكل ما أوتي من قدرة على التحليل والمعالجة، وبكل لغات الأرض، ثم طُلب منه أن يأتي بآيةٍ واحدة تماثل آيات القرآن في بلاغتها وحكمتها، وتأثيرها في النفوس ، لعجز عن ذلك عجزاً تاماً، لأن القرآن الكريم ليس نصاً بشريًا يمكن محاكاته، بل هو تنزيل من حكيم عليم، يحمل أسرارًا ومعاني ما لا يحصيها عقل، ومن البلاغة ما يُعجز أرباب اللغة.
ومهما تطورت البرمجيات، ومهما ارتقت العقول، ستبقى عاجزة عن الإتيان بمثل هذا البيان الرباني، لأنه ليس من كلام البشر، بل هو كلام رب البشر، لأنه يعلو ولا يُعلى عليه، وهو الحجة الباقية والمعجزةٌ الدائمة التي لا تنقضي عجائبها، ولا يُمل تكرارها. فكلما أمعنّا النظر فيه، انكشفت لنا كنوزٌ جديدة، وزادنا يقينًا بربنا، وحبًا لنبينا، وارتباطًا بهذا الدين العظيم. والدليل الأعظم على وجود الله وعظمة الإسلام وصدق نبوة سيدنا محمدٍ ﷺ.
قصة مدهشة عن إعجاز حفظ القرآن الكريم في مهرجان لندن
من أروع الشواهد المدهشة ، قصة حقيقية يرويها البروفسير الشيخ الجليل عمر مسعود محمد التجاني حفظه الله تعالى،
في منتصف سبعينيات القرن المـاضي، وتحديداً في العاصمة البريطانية لندن، شهد العالم حدثًا ثقافياً فريداً من نوعه: “مهرجان العالم الإسلامي”، الذي رعاه الأمير تشارلز آنذاك (الملك الحالي للمملكة المتحدة).
كان الهدف من هذا المهرجان تعريف الغرب بالحضارة الإسلامية العريقة، بما تشمله من فنون، وعلوم، وجغرافيا، وتقاليد، وعلاقات اجتماعية، بالإضافة إلى تشجيع السياحة في بريطانيا.
ومن بين المدعوين إلى هذا المحفل العالمي، كان فضيلة العارف بالله الشيخ يوسف إبراهيم بقوي التجاني رضي الله عنه، إلى جانب كبار العلماء والمفكرين من مختلف أنحاء العالم.
لكن اللافت للانتباه كان جناح القرآن الكريم، الذي أعدّ بعناية فائقة ليكون تحفةً تخطف الأبصار والعقول. جمع القائمون على هذا الجناح مصاحف مخطوطة بخط اليد من شتى بقاع الأرض، من سمرقند إلى القاهرة، ومن فاس إلى دمشق، ورتبوها ترتيبًا زمنيًا دقيقًا، بدءًا من أقدم المخطوطات في صدر الإسلام، وصولًا إلى أحدث المطبوعات الحديثة. ووُضعت هذه المصاحف تحت قِبَابٍ زجاجية أنيقة، وكان المسؤولون عن الجناح يقلبون صفحاتها يوميًا لتظهر جميعها نفس الصفحة، نفس السورة، ونفس الآية! تارةً تكون الصفحة المفتوحة في سورة البقرة، وتارةً في آل عمران، وأخرى في سورة يس…
والمذهل أن كل هذه المصاحف، رغم تباعد أزمنتها وأماكن كتابتها، كانت متطابقة تمامًا في كل كلمة، كل حرف، وكل علامة! لم يختلف فيها شيء، لا زيادة ولا نقصان، ولا تحريف ولا تبديل.
أثار هذا المشهد ذهولًا عميقًا لدى الزوار، خاصةً المثقفين والباحثين الغربيين الذين يعرفون تاريخ الكتب المقدسة الأخرى، التي تجد آلاف النسخ المختلفة لا تتطابق مع بعضها البعض من اختلافات، وتحريفات، وإضافات بشرية على مر العصور. لكنهم هنا أمام نصٍّ واحد، محفوظ بحرفيته عبر أكثر من أربعة عشر قرنًا، دون أي تغيير!  إنه التطابق الذي تحدّى قرونًا من الحروب، والطوائف، والكوارث، والتقلبات السياسية والثقافية.
وأثناء تلك الأجواء المذهلة، تساءل أحدهم متعجبًا أمام الشيخ عمر مسعود: كيف حُفظ هذا النص بهذه الدقة المطلقة عبر كل هذه القرون، في منطقة شهدت حروبًا ونزاعات وكوارث؟
فأجابه الشيخ عمر مسعود بإجابة أذهلت الجميع:
ما تراه أمامك هو حفظ النص المكتوب (calligraphy)، ولكن دعني أخبرك بما هو أعجب من ذلك!
نحن لا نحفظ الكلمات المكتوبة فحسب، بل نحفظ أدق ذبذباتها الصوتية، وطريقة نطقها الأصلية (vocabulary) ، عبر ما يُعرف بعلم القراءات: حتى أنك لو أخذت جهاز قياس الذبذبات الصوتية من هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وذهبت به إلى قارئ متقن في موريتانيا غرب إفريقيا، ثم ذهبت بنفس الجهاز ثم إلى قارئ آخر في كشمير أو الهند أو في هضبة التبت في أقصى الشرق، وطلبت منهما تلاوة الآية نفسها بنفس الرواية (مثل رواية ورش أو حفص)، لوجدت الذبذبات الصوتية متطابقة تمامًا، ولبهَرك التطابق العجيب في النبرة والأداء والأحكام: من إدغام وغنة ومدٍ وإشمام وروم… كأنما هو صوتٌ صادر من شخص واحد! يسري عبر الزمان والمكان.
فنحن لم نحفظ “الخط” فقط، بل نحفظ “الصوت” وطريقة الأداء التي نزل بها القرآن وتلقاها الصحابة عن النبي ﷺ وتناقلتها الأجيال جيلًا بعد جيل رغم كل ما مر على الأمة من تحديات عبر تاريخها الطويل وكلهم يقرؤونها كما تلقاها الأئمة عن شيوخهم بالسند المتصل عن النبي الأمي ﷺ،  الذي قال “ما أنا بقارئ”، فأراد الله أن يجعل كل قراء الدنيا كلهم يقرؤون خلفه وبقراءته التي تلقاها عن جبريل عليه السلام، عن ربّ العزة سبحانه وتعالى.
هذه هي المعجزة الخالدة، التي تجعل كل من يسمعها يقف مشدوهًا أمام عظمة هذا الكتاب، الذي قال عنه رب العزة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
فسبحان من حفظه كتابًا مقروءًا مسموعًا مكتوبًا، عبر كل العصور، ليبقى نورًا وهدىً للعالمين.
معجزة القرآن ليست محصورة في بيانه ولغته، بل تمتد لتشمل تعدد قراءاته، وغزارة معانيه، ومرونته في مخاطبة العقول باختلاف الأزمنة. إنه كتابٌ “حمّال أوجه” كمـا وصفه علمـاؤنا، تتجدّد عجائبه بتقدم العلم، وتنكشف كنوزه كلمـا أمعن الإنسان في النظر والتدبر، لتثبت لنا الأيام أنه حقًا “لكل زمانٍ ومكان”.
فيا من تقرأ هذه السطور، اجعل القرآن ربيع قلبك، ونور دربك، ودستور حياتك. تمسّك به، وتدبّر آياته، وتعلّم أحكامه، واحرص أن تكون من “أهل القرآن”، الذين هم أهل الله وخاصته، كما قال رسول الله ﷺ:”إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ”. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: “هُم أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ”. فلنحمد الله على هذه النعمة، ولنتمسك بهذا الكتاب تلاوةً وتدبرًا وعملًا، ليكون لنا نورًا في دنيانا وشفيعًا لنا في أخرانا.
هذا هو القرآن، النور الذي لا ينطفئ، والذكر الذي لا يُنسى، والمعجزة التي لا تُبلى. وما أجمل أن نكون من حملة هذا النور، الذي بشّر الله به في الكتب الأولى، حين قيل للنبي الأمي: “اقرأ”، فقال: “ما أنا بقارئ”.  فأعجز الله البشرية أن تأتي بمثله، ثم جعل أهل الأرض كلهم يقرؤون خلفه، ويتّبعون قراءته.
وكمـا قال الشاعر مادحًا النبي ﷺ:
يا أيها الأميُّ حسبك رتبةً
بالعلمِ قد دانت لك العلماءُ

وما أجمل أن نرى علماء اليوم، رغم ما بلغوه من رقيٍّ معرفي، يقفون مبهورين أمام أسرار هذا الكتاب، الذي سبقهم في الإشارة إلى أسرار الكون، والخلق، والنفس، والمجتمع، بما لا يخطر لهم على بال.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن وخاصته ، الذين يتلونه حق تلاوته، ويحفظونه في صدورهم، ويتدبرونه في عقولهم، ويعملون به في حياتهم، واجعل القرآن نورًا في دنيانا، وشفيعًا لنا في آخرتنا ، واجعله حجة لنا لا علينا. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى