السفير محجوب محمد عثمان يكتب:

السفير محجوب محمد عثمان يكتب:
فى مثل هذا اليوم : ١٢ فبرائر ١٩٥٣م وقبل ثلاثة وسبعين عاما تم التوقيع على اتفاقية تقرير مصير السودان بين مصر وبريطانيا .
حكمت بريطانيا السودان لنصف قرن من الزمان أو يزيد ، وحين اشتد النضال ضد المستعمر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، بدأت الأدارة البريطانية اعداد مشروع دستور للحكم الذاتى ، وطلبت من دولتى الحكم الثنائي الموافقة عليه بنهاية عام ١٩٥٢م ، مستقلة الغاء حكومة حزب الوفد اتفاقيتى ١٩٠٢م ، و١٩٣٦م والمناداة بفاروق ملكا عل مصر والسودان . وترى بريطانيا ان الغاء اتفاقية الحكم الثنائي قد خلق فراغا دستوريا وواقعا جديدا فى هذا البلد الكبير المترامى الأطراف .
بدأت بريطانيا اتصالاتها بزعماء القبائل بطرق مباشرة وغير مباشرة ، داعية لمشروع حكم ذاتى على أمل أن ينتهى الأمر ، الذى تخطط له ، بأنتخابات وبرلمان وحكومة تحت النفوذ التاج البريطاني ، وانضمام لمجموعة الكومون ولث Common Wealth .
بدأ الانجليز مشروعهم باقامة وأفتتاح الجمعية التشريعية ، وقد وافقت عليها الكتلة الاستقلالية وبعض زعماء القبائل وشيوخ الطرق الصوفية ، ورفضتها الأحزاب الاتحادية والتى قاطعتها وقال عنها إسماعيل الأزهري قولته الشهيرة ( لن ندخلها ولو جاءت مبرأة من كل عيب) .
اتجه الأتحاديون إلى الشارع لمقاطعة الجمعية التشريعية وعمت المظاهرات الغاضبة معظم مدن السودان الكبرى تندد بالأستعمار وتطالب بالجلاء التام .
نجحت الإدارة البريطانية فى خلق أجواء عدائيه بين الداعين للأسقلال والمؤيدين للوحدة مع مصر ، وأتجه الأنجليز لتأسيس حزب جديد تحت مسمى الحزب الجمهورى الاشتراكى ويضم زعماء القبائل ، وكان بعضهم على علاقه وثيقة مع الاداريين الانجليز ، كماكانت الإدارة البريطانية قد أكملت السيطرة على معظم القيادات الجنوبية فى المديريات الثلاث ، أعالى النيل والاستوائيه وبحر الغزال ، وهكذا أعدت المسرح لطرح وتنفيذ مشروع دستور الحكم الذاتى .
كانت مصر ، الشريك الأخر فى ثنائيه الحكم ، بعيدة عن ما يجرى فى السودان ، تعانى عدم استقرار الحكم ، ويسودها وضع سياسى مضطرب . يعين الملك وزارة تؤدى امامه اليمين الدستورى ثم يقيلها بعد شهر ، وأحيانا بعد أيام ليأتى بأخرى .
فى صباح ٢٣ يوليو ١٩٥٢ استولى الجيش على الحكم ، مجموعة من الضباط الشباب يقودهم اللواء محمد نجيب . وفى ٢٦ يوليو طرد الجيش الملك فاروق وتم تعيين مجلس وصاية على العرش .
لم تهتم بعض القيادات السودانية بالثورة المصرية فى بادئ الأمر ، وبعضها أبدت تحفظاتها ، ربما بسبب انقطاع الهبات والدعم المالى الذى كان يتدفق من بعض قيادات الأحزاب المصرية والتى حظرتها ثورة يوليو وصادرت دورها وقدمت بعض قياداتها إلى المحاكم بتهم الفساد والمحسوبية والاضرار بالوطن .
لم يكن السودان ضمن أجندة حكام مصر الجدد ولا من أولوياتهم . كانوا رغم حماسهم الدافق ، مهمومون بالتركة المثقلة للحكم التى ورثوها ، مع عدم خبرة لمواجهتها ، ولكن ضابطا مصريا هو حسين ذو الفقار صبرى ( شقيق على صبرى ) وكان ضمن القوات المصرية العاملة فى السودان ، وكانت له صلات مع معظم القيادات السياسية فى الأحزاب السودانية ، مما مكنه من كتابة تقرير وافى عن الأحوال فى السودان واستفراد بريطانيا بالحكم ، وأردف مع تقريره صورة من وثيقة الحكم الذاتى التى أعدتها إلادارة البريطانية فى السودان بسقف زمنى لا يتعدى نهاية نوفمبر ١٩٥٢م .
أستمع أعضاء مجلس قيادة الثورة فى جلسة مغلقه استمرت ساعات ، لتقرير خطير عن الوضع فى السودان واتجاه الادارة البريطانيةهناك نحو تنفيذ فكرة الحكم الذاتى .
كان عدد من ضباط ثورة يوليو على معرفة بالسودان . محمد نجيب من مواليد الخرطوم وكان والده ضابطا بالجيش المصرى ، وتلقى تعليمه بكلية غردون . أنور السادات والده كان ضابطا كبيرا فى الجيش المصرى بالسودان وأمه سودانية . صلاح سالم وأخوه جمال من مواليد مدينة سنكات فى شرق السودان . أما عبدالناصر وعبدالحكيم عامر فقد عملا ضمن القوات المصرية بالسودان وكانا برتبة اليوزباشى والملازم أول .
اهتم المجلس وكلف الصاغ صلاح سالم بأمر السودان ويساعده اليوزباشى حسين ذو الفقار صبرى ، وكانت الإدارة البريطانية فى السودان قد أرسلت مشروع دستور للحكم الذاتى إلى القاهرة ولندن وطلبت منهما ملاحظتيهما باعتبارهما طرفى الحكم الثنائي وذلك خلال فترة زمنية تنتهي فى الثامن من نوفمبر ١٩٥٢ ، أو ستتجه الأدارة إلى إجراءات التنفيذ .
كان الحكم الثنائي وليد اتفاقيتين متواليتين وقعتا بين مصر وبريطانيا . وهاهى الإدارة البريطانية فى السودان تتصرف كأنها طرف ثالث ، وتتقدم بوثيقة دستورية وموعد محدد ، الأمر الذي استفز مصر وجعلها تصحو من غفوتها وتنتبه لخطورة الوضع .
ولعل تصرف الإدارة فى السودان هو صورة أخرى لنفس الطريق الذي انتهجته الإدارة البريطانية فى الهند حين أصبحت قوة تعمل بعيدا عن تعليمات الحكومة ووزارتى المستعمرات والخارجية فى لندن .
كان الانجليز يتحكمون فى جنوب السودان ويعدونه فى اتجاه ان يكون مرتعا لطبقة استيطانية حاكمة كما كانوا يفعلون فى كينيا وروديسيا وجنوب أفريقيا . كيانات مستقلة لها مصالح ذاتية بعيدة الأمد .
تحركت مصر وأعدت مشروعا مناوئا للوثيقة البريطانية . بدأت أمام القاهرة عقبات تحتاج لعمل دؤوب ، فالكتلة الاستقلالية لا تثق فى مصر بسبب ميلها نحو الأحزاب الاتحادية ، والتى تعانى هى الأخرى من التشظى والأنقسام . اما زعماء الجنوب فهم تحت قبضة الأدارة البريطانية . تتحرك مصر ولا مخرج لها الا بخلق موقف سودانى موحد فى مواجهة بريطانيا ، فمشروع دستور الحكم الذاتى المقترح من الأدارة البريطانية يمنى السودانيين بحقهم فى تقرير المصير ، فى مقابل شعار الاتحاد مع مصر ، والتى أصبح لزاما عليها الإنطلاق من نفس القاعدة لتقرير المصير فى حرية كاملة ومناخ محايد .
اخذت القيادة المصريةفى اعداد خطتها لكسب القوى السياسية السودانية وتقليل فرص المشروع البريطاني . بدأت مصر فى إعداد مقترحات لكشف الضعف فى الوثيقة البريطانية . قدمت مصر مذكرة تشمل الحد من سلطة الحاكم العام فى فترة الانتقال المقترحة قبل قيام الانتخابات وتقترح قيام لجنة تتولى إدارة البلاد معه وتسمى لجنة الحاكم العام ، كما تقدمت بمذكرة أخرى حول لجنة سودنة الوظائف والتى يرى الانجليز ان تتكون من كبار الموظفين البريطانيين المهيمنين على مفاصل الإدارة فى السودان . أما العقبة الصعبة أمام مصر فهى موافقة الأحزاب والهيئات السودانية على المشروع المصرى فى مقابل الوثيقة البريطانية.
بدأت القيادة المصرية بدعوة السيد عبدالرحمن المهدي زعيم طائفة الأنصار لزيارة مصر .
أستقبل الزعيم السودانى بحفاوة وترحاب كبيرين ، ووصفت الصحف المصرية زيارة المهدى بأنها لضيف كريم شرف مصر بزيارته ، وصرح السيد عبدالرحمن للأهرام بأنه لا يوجد خلاف بين حزب الأمة ومصر خاصة بعد خلع الملك فاروق والذى يعتبره المهدويون امتدادا للخديوية التى يناصبونها العداء .
ثم وجهت مصر الدعوة للأحزاب الاتحادية التى جاءت القاهرة وحلت بفندق سميرأميس وانتظمت فى اجتماعات متتاليه برعاية وحضور اللواء محمد نجيب والذى كان يحاول تقريب وجهات النظر ويرمى لدمجها فى حزب واحد تعتمد عليه مصر فى مشروع وحدة وادى النيل .
أهم الأحزاب التى شاركت كانت : حزب الأشقاء بقيادة أسماعيل الأزهرى وخرج منه محمد نورالدين وسمى الحزب الأشقاء أيضا . حزب الاتحادين ويرأسه حماد توفيق ، حزب الجبهة الوطنية ، ثم الأحرار الاتحاديين ورئيسة الطيب محمد خير ، وحزب وحدة وادى النيل ورئيسه الدرديري أحمد إسماعيل .
وحين اشتدت الخلافات وطالت الجلسات لأيام ، اتفق الجميع على لجنة ثلاثية يكون قرارها نهائى وملزم وتتكون من ميرغني حمزه ، وخضر حمد والدرديرى احمد اسماعيل . وكان قرار اللجنة بعد اجتماع ساعة ونصف ، ووافق عليه الجميع ، اختيار إسماعيل الأزهري رئيسا ، خضر حمد سكرتيرا عاما ، خلف الله خالد أمينا للصندوق ، ويصبح اسم الحزب الجديد : الوطنى الاتحادي .
هكذا حصلت مصر على موافقة الكتلة الاستقلالية والكتلة الاتحادية ، لكن الانجليز قالوا ان القيادات الجنوبية لم تبد موافقتها . سافر الصاغ صلاح سالم إلى الخرطوم ومن هناك بطائرة خاصة إلى جنوب السودان مجتمعا بزعماء القبائل ، مخترقا الحصون البريطانية ، عاد وهو يحمل توقيعات الزعماء وموافقاتهم للمشروع الذى تتبناه مصر ، ونشرت مجلتا المصور واخر ساعة صورا للصاغ صلاح سالم وهو يرقص مع الجنوبيين على أصوات الطبول الهادرة .
بدأت جلسات مفاوضات تقرير المصير للسودان وترأس الجانب المصرى الرئيس محمد نجيب ونائبه البكباشى جمال عبدالناصر والصاغ صلاح سالم وحسين ذو الفقار صبرى ، وقاد الوفد البريطاني السير رالف ستيفنسون سفير بريطانيا فى مصر ، والمستر باورز من وزارة المستعمرات البريطانية ، والسير جيمس روبنسون السكرتير الأدارى لحكومة السودان .
قدم الوفد المصرى وثيقته وملحقاتها وموافقات كل القوى السودانية ، ولكن الانجليز مرة اخرى أثاروا عدم موافقة الحزب الجمهورى الاشتراكى وهو حزب زعماء القبائل الذى صنعوه وزرعوه كترياق مضاد للأحزاب .
سافر حسين ذو الفقار صبرى إلى الخرطوم وعاد يحمل موافقة وتوقيع السيد إبراهيم بدرى السكرتير العام للحزب الجمهورى الأشتراكى ، وكانت تربطه بحسين صبرى صلات قوية .
استمر التفاوض لثلاثة أشهر أو تزيد ، فى أجواء ضاقطة ، لينتهي بالتوقيع على الاتفاقية فى ١٢ فبراير ١٩٥٣ ، وهو الأتفاق الذى أنهى نصف قرن من الحكم الثنائي اسما والبريطانى فعلا ، والذى أحكم قبضته على السودان منذ توقيع اتفاقية الحكم الثنائي فى يوم الخميس ١٩ يناير ١٩٠٢م بين بريطانيا ، ووقع عنها اللورد كرومر المندوب السامى البريطاني فى مصر ، ومن الجانب المصرى السيد بطرس غالى ناظر الخارجية بالحكومة المصرية .
رحبت القوى السياسية بالاتفاق ،
وأعطت اتفاقية ١٢ نوفمبر ١٩٥٣ الشعب السوداني حق تقرير المصير فى جو محايد وفترة انتقالية لأنهاء الإدارة الثنائية للحكم والاحتفاظ بالسيادة للسودان وتقرير المصير بالأستقلال أو الاتحاد مع مصر عبر استفتاء يجرى فى خاتمة فترة الأنتقال .
كانت الترتيبات الانتقالية تشمل :
١.تعيين لجنة محايدة للانتخابات من سبعة أشخاص .
٢.تعين لجنة للسودنة من ستة أعضاء .
٣.مشروع قانون برلمان من غرفتين ، مجلس نواب ومجلس شيوخ مع ضمان انتخابات محايدة .
٤.تكوين لجنة لجلاء القوات الانجليزيه والمصريه .
٥.تقرير المصير ، واعداد دستور ، وتتعهد الدولتان باحترام قرارات البرلمان السودانى .
٦.فى الفترة الانتقالية يمارس الحكم مجلس وزراء سودانى منتخب إلى جانب الحاكم العام ولجنته والتى ترشحها الحكومتان البريطانية والمصريه( هذا البند وافقت عليه بريطانيا على مضض وتوقفت المفاوضات بشأنه مرات ليتشاور الوفد المفاوض مع حكومته فى لندن ، وكان سبب اعتراضهم ، أن اللجنة ستضعف سلطة الحاكم العام وتحد من تحركاته وقراراته . وهذا ما حدث لاحقا حين غادر السير نوكس هولم أخر حاكم عام للسودان فى اجازته السنوية ولم يعد للسودان مرة أخرى .
فتح اتفاق ١٢ فبراير ١٩٥٣ الطريق نحو الاستقلال التام والذى تحقق فى ١٩ ديسمبر ١٩٥٦ حين لجأ السيد إسماعيل الازهرى رئيس وزراء الفترة الانتقالية لإعلان الاستقلال من داخل البرلمان بالاجماع بدلا من الاستفتاء . وكانت مصر أول دولة تعترف باستقلال السودان وتلتها بريطانيا .
وبين التاريخين ١٢ فبراير ١٩٥٣م ، و١٩ ديسمبر ١٩٥٥م ، وقعت أحداث جسام ، ومرت مياه تحت الجسر ، وتمت إنجازات كبيرة ، فيها الكثير الذى يجب أن نتذكره ونرويه لأجيال قادمة .
وظلت وتظل العلاقات التاريخية القوية بين شعبى وادى النيل متينة تزداد وتنمو وتزدهر .



