راي

حين يُصبح العيش والملح مجرد طعام..!!

حين يُصبح العيش والملح مجرد طعام..
كتب/ عبد الله احمد محمد دفع الله
حين يكشف الزمن معادن في الأصالة ونكران الجميل.
لطالما كانت مفاهيم مثل “العيش والملح”، و”العشرة الطويلة”، و”السنين المشتركة”، تمثل في وجدان مجتمعاتنا أعمدة للعلاقات الإنسانية. حملت هذه الكلمات معاني عميقة للوفاء، والتقدير، والصحبة الطيبة. كنا نرددها بفخر، ونؤمن بأن من قاسمنا خبزه وملحه لا يمكن أن يعرف طريقاً للجحود أو نكران الجميل.

في رحلة الحياة، نصادف كثيرين يقتسمون معنا تفاصيلها: أفراحها وأتراحها، نجاحاتها وعثراتها، فيتشاركون معنا لقيمات العيش، وأكواب الشاي، وذكريات الطفولة، ومواقف الكبر، حتى نظن أنهم أوفى من الوفي، وأقرب من القريب. نُغدق عليهم من الثقة ما لا نغدقه على أنفسنا، نُسقط عنهم حواجز الحذر، ونُطلعهم على أسرارنا، ونعتمد عليهم في الشدة، ونُراهن على وفائهم في المحن. ولكن الحياة، بما تحملها من تقلبات وامتحانات، ليست سوى مرآة صادقة لا تُجامل، تكشف معادن النفوس على حقيقتها. الزمن هو محك الصدق؛ فمن كان أصيلاً، زادته السنون ثباتاً وعمقاً في وفائه، ومن كان قليل الأصل، عَرَّته المواقف وكشفت عن وجهه الخالي من قيمة للجميل أو للأيام الحلوة. وهنا يتجسد هذا الإدراك المرير في عبارة موجعة لكنها عميقة: (العيش والملح مكانهما في المطبخ، لا في ميزان العلاقات الإنسانية).

كنا نظن واهمين أن مجرد تراكم السنين المشتركة، واقتسام لقمة العيش وأفراح الحياة وأتراحها، كفيلان ببناء صرح شامخ من الوفاء والتقدير لا تهزه الأعاصير. كانت العشرة الطويلة ضمانة، في عقولنا، بأن من شاركنا الخبز والملح لا ينسى ولا يتنكر. مع مرور الوقت وتوالي التجارب، نُدرك أن الناس حقاً معادن. هناك صنفٌ تزرع فيهم المعروف والإحسان، فتُزهر في قلوبهم سنابل الوفاء وتثمر محبة صادقة لا تنضب؛ هؤلاء هم أهل الأصالة الذين يحفظون الجميل في سويداء قلوبهم. وفي المقابل، تجد صنفاً آخر تقف أمامهم حائراً؛ مهما غمرتَهم بعطائك، تضحياتك، وقتك، وحتى روحك، ومهما منحتهم من حبٍ ووفاء، لا تجد منهم إلا الجحود، والنكران، وقلة الأصل التي لا تتغير.

الحكمة هنا ليست في التوقف عن بذل المعروف، بل في فهم أن أرقى مراتب الإنسانية تكمن في فعل الجميل لذاته، لا لانتظار مقابل. أن تُحسن لأنك أصيل بطبعك، نقيٌّ بأخلاقك، لا لأنك تتوقع كلمة شكر أو ردّ جميل. ومع مضي الأيام، اكتشفت أن العلاقات لا تُقاس بطول السنين ولا بحجم التضحيات، بل بصدق الموقف وصفاء النوايا. فهناك علاقات تنمو بكلمة صادقة أو موقف نبيل، وفي المقابل، قد تعيش مع أحدهم عقوداً طويلة وتبقى العلاقة هشة، فارغة، لا تنبت فيها إلا بذور الخيبة. أجمل العلاقات تبنى على الصدق، الاحترام المتبادل، وحفظ الجميل، لا على كثرة العتاب وتعداد الماضي. العلاقات الأصيلة لا تحتاج لاختبار الزمن الطويل لتثبت قوتها، بل يكفي موقفٌ صادق يكشف معادن أصحابها بلا رتوش أو أقنعة. لذلك، يترسخ اليقين بأن “العيش والملح”، حين يفشلان في إنبات الوفاء في النفوس، فمكانهما الأجدر هو المطبخ؛ هناك يؤديان وظيفتهما بأمانة، لا يعرفان الخيانة في الطعم أو القوام. أما في قاموس العلاقات الإنسانية، فالوفاء عملة نادرة، لا يمتلكها إلا أصحاب القلوب النقية، ولا يُدرك قيمتها حق الإدراك إلا من ذاق مرارة الغدر وخيبة الأمل فيمن أحسن إليهم.

من منظور إيماني: الابتلاء يكشف المستور

ديننا الإسلامي العظيم يُعلي من شأن الوفاء، التقدير، وشكر النعمة بكل أشكالها، بما في ذلك نعمة الأصدقاء والأهل ومن يُسدي لك معروفاً. ويُعلمنا الله سبحانه وتعالى أن هذه الدنيا دار اختبار وامتحان، وأن الشدائد والمحن هي التي تكشف عن حقيقة الإيمان ومعدن الإنسان وقوة تحمله وشكره.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ (البقرة: 155). هذه الآية الكريمة ترسخ حقيقة أن الابتلاءات في مختلف جوانب الحياة هي سنة كونية، وهي المحك الحقيقي الذي يظهر صبر الإنسان من جزعه، وشكره من جحوده. في أوقات الضغط، تتجلى كيفية تعامل الناس: هل تتغلب عليهم الأنانية فينسون العشرة والجميل، أم يتراحمـون، يتعاونـون، ويتجلى فيهم معدن الأصالة؟
وفي آية أخرى، يُذكّرنا الله بضرورة شكر النعم، وهذا مبدأ عام ينطبق أيضاً على تقدير إحسان العباد: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ (إبراهيم: 7). من يجحد نعم الله التي لا تُعد ولا تحصى، غالباً ما يكون جاحداً لمعروف عباده أيضاً. نكران الجميل هو سمة قليل الأصل الذي ينسى العشرة الطويلة والعيش والملح عند أول اختبار.

محك الحرب في السودان: حين تتعرى النفوس أمام الفاجعة

ولعل أصدق وأقسى المرايا التي كشفت وتُكشف عن معادن الناس على حقيقتها، هي المحنة الطاحنة التي يعيشها أهلنا في السودان. الحرب لا تُبقي شيئاً على حاله، تُسقط الأقنعة، وتُظهر الجوهر بلا تزييف. في خضم أتون هذه الفاجعة الإنسانية التي تشهدها بلادنا، رأينا وشهدنا بأعيننا قصصاً تدمي القلب وأخرى تُعيد للإنسانية بريقها، قصصاً تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن “العيش والملح” الحقيقي هو معدن الروح السامية، وليس مجرد طعام يُقاسم.

* قصص الجحود تحت وطأة النار:

كم سمعنا ورأينا من قصص عن جيران وأصدقاء وزملاء جمعتهم عُشْرة سنين طويلة، كانوا يوماً يتقاسمون الأفراح والأحزان، حتى جاءت الحرب لتضعهم أمام محك البقاء القاسي. منهم من اختفى عند أول طلقة، تاركاً جاره أو صديقه ليواجه مصيره وحيداً متجاهلاً وعوداً كانت بالأمس القريب مواثيقَ غليظة. ومنهم من أظهر أنانية مُفرطة في توزيع الموارد القليلة التي يملكها، احتكرها لنفسه وأهله الأقرب، ونسي من كان يُشاركه الحياة بالأمس. بل إن القسوة بلغت ذروتها حين استغلّ البعض حاجة الآخرين الماسة للبقاء أو للغذاء، ليُظهر بذلك دناءة الأصل وقلّة المروءة، رغم سنوات العُشْرَةِ الطويلة التي لم تكن سوى سرابٍ تلاشى مع أوّل وهجٍ للنار. لكنّ الفاجعة لم تتوقف عند حدود الخذلان والنسيان؛ لقد تجلّت في صورٍ أشدّ ظلاماً وبشاعةً، تمثّلت في أولئك الذين باعوا ذممهم وضمائرهم في سوق النخاسة الرخيص. نعم، لقد كان بيننا من اختار أن يكون عيناً وآذاناً للقوى المعتدية، يرشدونهم على بيوت من زاملهم الدهر وجاورهم العمر، ويزودونهم بمعلوماتٍ لا تهدف إلا لإلحاق الأذى بمن كان يوماً شريكاً في الوطن، وربما في تفاصيل الحياة اليومية. تلك طعنة في خاصرة الأمانة، وخيانة لن يمحوها الزمان، تزيد من مرارة الواقع وتؤكد أن بعض القلوب قد تتحول إلى حجرٍ أصمّ تحت ضغط المصالح الدنيئة والخوف الجبان.

إنّ هذه القصص المؤلمة، التي خطّتها أنامل الألم بمدادٍ من الدموع والمرارة، لَدروسٌ قاسيةٌ تُثبت أن مجرد العيش المشترك لسنواتٍ طوال، أو المشاركة في جوانب من الحياة، لا يعني بالضرورة أننا قد زرعنا سنداً حقيقياً نستند عليه عند العاصفة. إنها كاشفةٌ لزيف العلاقات الهشّة، ومؤكدةٌ على أنّ جوهر الإنسان لا يظهر إلا حين يُوضع على جمر الامتحان.

* قصص الأصالة في زمن الخوف:

وفي المقابل، لَمَعت أسماءٌ لم نكن نتوقع منها الكثير. أشخاصٌ ربما لم تجمعك بهم سوى معرفة سطحية، أو لم تكن العشرة بينكم عميقة بالمعنى التقليدي، فإذا بهم يظهرون في اللحظات الحرجة كالملائكة. يتقاسمون لقمة العيش الشحيحة مع الغرباء، يفتحون أبواب منازلهم المهددة بالقصف لإيواء النازحين رغم الخطر المحدق، يجازفون بحياتهم لإنقاذ جريح لا يعرفونه، يمدون يد العون بسخاء لمن لا يملكون شيئاً دون انتظار شكر أو مقابل.

هذه القصص، التي ولدتها رحم المعاناة القاسية، تُعيد الإيمان بالإنسانية، وتُثبت أن الأصالة ليست حكراً على أصحاب العشرة الطويلة، بل هي معدنٌ ثمين يظهر بريقه في أصعب الظروف، لتُصبح نسمة طيبة في زمن العاصفة.

الحرب في السودان كانت ولا تزال مرآة قاسية، لكنها صادقة إلى أبعد حد، عكست معادن الناس على حقيقتها دون زيف أو تجميل. أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن “العشرة والسنين” لا تصنع الإنسان الأصيل، بل تكشفه. وأن قليل الأصل لا تُصلحه التجارب ولا تُغيره السنون، بل تزيد قسوته وجحوده أمام المحك الحقيقي للحياة. قد يكون هذا الإدراك، الذي فرضه الواقع المؤلم الذي نعيشه، بمثابة صدمة تُعيد ترتيب نظرتنا للكثير من العلاقات المحيطة بنا. لكنه في ذات الوقت دعوة لأن نُصبح أكثر بصيرة وحكمة في اختيار من نُقاسمهم أيامنا، وأن نُركز في بحثنا عن الجوهر الأصيل، النقاء الداخلي، والقدرة على العطاء غير المشروط والتقدير الصادق. فهذه هي القيم الحقيقية التي لا تقدر بثمن، ولا يمكن شراؤها بالسنوات أو بـالعيش والملح.

في رحلة الحياة: كيف تَرى وكيف تُرى؟

في خضم هذه الرحلة التي تكشف معادن النفوس، وتُظهر الأقنعة تسقط تباعاً تحت وطأة التجارب، ستلتقي حتماً بألوانٍ متباينة من البشر. ستجد من يراك بعينٍ صافية وقلبٍ سليم، فيُبصر فيك أجمل ما تكون، ويقدر عطاءك ووفاءك. وفي المقابل، ستصادف من ينظر إليك من خلال شاشة تشوهها حاسدته، أو سوء طبعه، أو جهله، فيرى فيك أسوأ ما يمكن، ويُفسر أفعالك الطيبة بسوء نية، ويُنكر جميلك مهما كان عظيماً.

لا تُعر اهتماماً بالغاً لكل ما يُقال عنك من قِبل هؤلاء؛ فادرك أن ما يُقال ليس دائماً انعكاساً لحقيقتك، بل غالباً ما يكون مرآة لطباع القائل نفسه، فكلٌ يرى الآخرين بعين طبعه. لا تدع آراء الحاسدين أو الحاقدين أو قليلي الفهم أن تُعيق مسيرتك أو تُشكك في قيمتك الأصيلة التي تعرفها حق المعرفة. أنت تعرف نفسك وقيمتك الحقيقية، وهي لا تُحددها نظرات الآخرين أو كلماتهم المتقلبة. امضِ في طريقك بثبات، واضعاً نصب عينيك رضا الله وصدق فعلك، ولا تلتفت إلى الوراء إلا لأخذ العبرة، لا لتُثقلك الأقاويل التي لا تُغني ولا تُسمن.

خلاصة القول:
العيش والملح، العشرة والسنين … ليست مجرد أوقات تمضي أو ذكريات تتراكم، بل هي امتحانات تُسلط الضوء على جوهر الإنسان. العلاقات الحقيقية والدائمة لا تبنيها هذه المفاهيم وحدها، بل تصنعها الأصالة الكامنة في النفوس، الإيمان الراسخ، والقدرة على الوفاء والتقدير حتى في أحلك الظروف.
لا تحزن أبداً إن واجهت الجحود، ولا تيأس إن وجدت من ينسى جميلك. تذكر دائماً أن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً. اجعل بوصلتك في الحياة هي البحث عن الأصالة فيمن حولك، وادرك أن بعض القلوب تستحق أن تُقاسمها الحياة بكل ما فيها، وبعضها الآخر… مكانه الأنسب ركنٌ بعيدٌ عن نبض قلبك ومسار حياتك، لأنها لم تثبت جدارتها باحتلال مساحة في سجل وفائك وعشرتك الأصيلة.

وفي الختام: إذا أردت أن تعيش بسلام نفسي ورضا داخلي، فازرع الخير أينما استطعت، ولو في أرضٍ قاحلة. فإن لم يُزهر هذا الخير في دنيا البشر، فإنه حتماً سيُثمر في سجلّك عند رب كريم لا تضيع عنده الودائع. عامل الناس بأصلك النقي، لا بأصلهم المتقلب. كن وفياً حتى لو غاب الوفاء من حولك، صادقاً ولو واجهت الكذب، نبيلاً ولو غدرك أقرب المقربين. فالحياة رحلة قصيرة، وأعمالك الطيبة هي زادك الحقيقي الذي سيعود إليك يوماً ما، ولو لم يكن على يد البشر، فسيكون على يد خالق البشر، الذي لا تضيع عنده ودائع المحسنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى