راي

دروس من سورة الفجر في زمن الصراعات

القوة الحقيقية:
دروس من سورة الفجر في زمن الصراعات

بقلم /عبد الله احمد محمد دفع الله

في عالم تتصارع فيه القوى وتتسابق الأمم لتعزيز هيمنتها، يأتي القرآن الكريم ليضعنا أمام مرآة للتاريخ والحاضر والمستقبل. سورة الفجر، على قصر آياتها، كنز من المعاني العميقة تجسد هذه الرؤية الشاملة. إنها تسرد لنا مصير الأمم الغابرة ومآل الغرور، وتكشف لنا سبيل النجاة. إنها دعوة للتأمل في سنن الله في الكون، لتُظهر لنا حقيقة القوة المطلقة مقابل القوة البشرية الزائلة، وتقدم لنا العبرة في زمن تشتعل فيه الحروب وتُرفع فيه شعارات القوة المادية.

*حكايات الغابرين: نهاية كل متجبر*

تبدأ السورة بسرد قصص أقوام غابرة، كانوا رموزًا للقوة والبطش في عصورهم، لكن نهايتهم كانت نذيرًا لكل من يغتر بقوته. نتوقف عند عاد {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} الذين وصفهم القرآن بأنهم لم يُخلق مثلهم في البلاد. كانوا عمالقة في البنيان والقوة، أصحاب حضارة مزدهرة، لكنهم استغلوا قوتهم في الفساد والطغيان. ثم {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} فكانوا مهندسين بارعين نحتوا الجبال واتخذوا منها بيوتًا آمنة، لكنهم كفروا بنعمة الله. ثم {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} إمبراطورية قامت على الظلم والاستبداد، امتلكت جيشاً وقوة لا تُقهر في زمنها، وكانت رمزاً للطغيان الذي بلغ ذروته.

لقد منح الله هذه الأمم قوة ومنعة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، لكنهم لم يستخدموها في عمارة الأرض واصلاح العباد. بدلاً من ذلك استغلوا سلطانهم في الفساد والطغيان، وغرّتهم أموالهم وقوتهم وظنوا أنهم بمنأى عن قدرة الخالق. لكن سنة الله لا تتبدل ولا تتحول؛ فكانت نهايتهم عبرة للمعتبرين {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} أبادهم جميعاً.

إن قصصهم ليست مجرد حكايات تاريخية، بل هي تحذير صارخ لكل من يعتقد أن القوة المادية هي كل شيء، وتأكيد على أن كل جبروت لا يستند إلى الحق والعدل مصيره إلى زوال.

*جدلية الإنسان: بين الشكر والجحود*

ثم تنتقل السورة ببراعة لتكشف عن طبيعة الإنسان المركبة، وتناقضاته في التعامل مع أقدار الله. فالإنسان بطبعه يميل إلى ربط العطاء بالاستحقاق الشخصي، والابتلاء بالإهانة. {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} هنا تتجلى النزعة الذاتية، حيث ينسى فضل الله وكرمه، وينسب الفضل لنفسه أو لذكائه أو لجهده.

وإذا انقلبت عليه الأحوال {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} يتذمر ويشعر بالإهانة متناسيًا أن الرزق بيد الله وحده، وأن الابتلاء قد يكون اختباراً للصبر، أو تطهيراً للذنوب، أو رفعة في الدرجات. كم من الأغنياء اليوم ينسبون ثراءهم لذكائهم وجهدهم، وكم من الفقراء يتذمرون من حظهم، وكلاهما يغفل عن حقيقة أن المدبّر والمقدّر هو الله وحده.

يكشف هذا السلوك عن هشاشة النفس البشرية أمام التقلبات، ونسيانها أن كل أمر من خير أو شر من سعة أو ضيق، هو بتقدير من الله. إن الإنسان يغفل عن حقيقة أن النعم والابتلاءات كلها تقدير من الله، وأن الله لا يمنع ليحرم، ولا يعطي ليُغني فحسب، بل كل ذلك لحكمة بالغة قد لا يدركها الإنسان بعقله القاصر. القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بما يملك، بل بما يقدم وما يؤمن به.

*صراعات العصر: وهم القوة وواقع القدرة الإلهية*

في زمننا الحاضر، نشهد حروباً وصراعات تتجلى فيها القوة الضاربة بأشكال لم يتخيلها أجدادنا. الدول تتنافس في صناعة أفتك الأسلحة وتطوير أحدث التقنيات العسكرية. صواريخ عابرة للقارات، طائرات شبح لا تُرى، وغواصات نووية تجوب أعماق المحيطات. يتحدث القادة عن “القوى العظمى” التي تسيطر على مفاصل العالم، ويتباهون بقواتهم المسلحة التي لا تُقهر. تشتعل الحروب في بقاع مختلفة من الأرض، ويظن الإنسان بقوته وعقله أنه سيد الموقف، وأن النصر والهزيمة مرهونان بمدى التقنية والتسليح.

لكن القرآن يعيدنا إلى الحقيقة الجوهرية: أن كل هذه القوى، مهما بلغت من تطور وجبروت، هي مجرد نقطة في بحر قدرة الله اللامتناهية. من الذي يسيّر هذه الصواريخ في السماء؟ والطائرات التي تحلق في الأجواء؟ {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ}. هذه الآية تضع كل اختراع بشري في مكانه الصحيح؛ فكل قوة من قوة الإنسان، وكل علم من علومه، وكل حركة وسكون في هذا الكون، من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، كلها مسخرة بأمر الله.

إن عقيدتنا تملي علينا أن {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}. هذه الحقيقة الإيمانية هي صلب الإدراك الحقيقي للقوة. السكين لا تذبح إلا بأمر الله، والرصاصة لا تصيب هدفها إلا بإذن الله، والطائرة لا تسقط إلا بمشيئة الله. كل ما نراه من حراك وتدبير في هذا الكون، هو بيد الله وحده. إن الإنسان الغافل يتصور أن هذه الأشياء تتحرك بموجب عقله وقدراته، لكن المؤمن يدرك أن هذا كله امتحان من الله، ليرى هل يؤمن الإنسان أم يكفر.

*العودة إلى اليقين: الطمأنينة هي الفوز الأكبر*

السورة لا تتركنا في متاهات القوة والضعف، بل توجهنا نحو الغاية العظمى. فبعد استعراض الماضي والحاضر، تضعنا أمام المستقبل الحتمي: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} هذا هو المشهد العظيم الذي تتلاشى فيه كل قوى الدنيا وجبروتها، وتصبح فيه الندامة بلا جدوى.

وفي المقابل، هناك النهاية السعيدة لمن عرف الله وتوكل عليه {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} هذا النداء العظيم هو غاية السالكين، ومطلب العارفين. إنه الجزاء لأولئك الذين فهموا دروس الماضي، وعملوا في حاضرهم بما يرضي الله، واستعدوا لمستقبلهم الأبدي.

إن القرآن الكريم في جوهره هو بشائر للمتقين، وحياة للقلوب الميتة، ودعوة للتأمل والتفكر في خضم الحروب التي تمزق أوصال العالم اليوم، وفي ظل سباق التسليح الذي لا ينتهي، تظل الرسالة الأساسية لسورة الفجر واضحة: أن القوة الحقيقية تكمن في الإيمان المطلق بالله، وحسن الظن به، والالتجاء إليه، فهو ولي ذلك والقادر عليه. عندها فقط تتحول كل هذه الأحداث العاصفة إلى مجرد أسباب، ونعلم أن المدبر الحقيقي لكل شيء هو الله وحده. فهل نعي هذه الحقيقة ونسعى لطمأنينة النفس التي هي الفوز الأكبر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى