راي

ضمانات حماية الفئات الضعيفة في النزاعات المسلحة 

ضمانات حماية الفئات الضعيفة في النزاعات المسلحة

كتب : دكتور عبد القهار التجاني

في خضمّ النزاعات والصراعات التي تشهدها البشرية، يبرز دائماً صوت الضعفاء؛ أولئك الذين تطحنهم آلة الحرب دون ذنب، وتُزهق أحلامهم دون جريرة. ومن هذا المنطلق، يأتي موضوع حماية النساء والأطفال وكبار السن كقضية إنسانية ملحة، تمسّ الضمير العالمي قبل أن تكون مادة قانونية.

لقد أولت المواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية مساحة واسعة لهذه الحماية، مؤكدةً على مكانتها في منظومة القانون الدولي. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أيّ قيمة لهذه النصوص إن بقيت حبيسة الأوراق؟ وأيّ معنى للادعاءات إن غاب التطبيق على أرض الواقع؟.

لطالما تحدثت المنظمات الدولية عن دورها في حماية المستضعفين، لكنّ مشاهد المعاناة من الشيشان إلى البوسنة، ومن كوسوفو إلى جروح الشرق الأوسط الملتهبة في فلسطين وسورية واليمن والعراق ولبنان وليبيا والسودان، تروي قصة أخرى. قصة تطرح سؤالاً لا يخصّني وحدي، بل هو نداء يطلقه كلّ قلب يحمل همّ الإنسانية، بعيداً عن أيّ تعصّب.

ومن هنا، تأتي أهمية هذه الدراسة، سعياً لتسليط الضوء على الأسس والقواعد التي أقرّتها الشريعة الإسلامية والقانون الدولي لحماية هذه الفئات، ومقارنةً بينهما، عسى أن نجد في ثناياها سبيلاً لضمير إنساني أكثر يقظة، وعالم أكثر أماناً للضعفاء.

*أولاً : الحماية المقررة للنساء والأطفال والشيوخ في الشريعة الإسلامية*

لم تذكر الشريعة الإسلامية الغراء مصطلح “القانون الدولي”؛ لا في القرآن الكريم ولا في كتب السنة، ولا في كتب التراث الإسلامي، ومع ذلك فقواعد الدين الإسلامي الحنيف ترتكز في جملة مبادئها على الالتزام بالأخلاق الكريمة، بل تعتبرها قواعد ملزمة لا يجوز الإخلال بها أو الخروج عليها، وإلا تعرض منتهكها إلى عقاب الله تعالى، فهو يعتبر جميع الناس أخوة في الإنسانية على اعتبار أنهم جميعاً من آدم وحواء قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.(الآية13 سورة الحجرات).

*1- الشريعة الإسلامية تميز بين المقاتلين وغير المقاتلين.*

فلقد طبقت الشريعة الإسلامية قواعد القانون الدولي منذ قرون عديدة فخاطبت المجتمع المسلم بكل فئاته، وأوجبت عليهم العقاب الدنيوي والأخروي قبل أن يخاطبه القانون الدولي بأربعة عشر قرناً من الزمان. فنهى عن مقاتلة من لا يقاتل، وكذلك عدم مقاتلة من ألقى السلاح، وقتل الرهبان ورجال الدين وهدم الصوامع والبيع والتخريب.

فالشريعة الإسلامية قد فرقت بوضوح بين المقاتلين وغير المقاتلين؛ بل لم تبح توجيه أعمال القتال لكل المعتدين، وإنما قيدته بعدم توجيه أعماله إلا إلى المحاربين منهم فقط، كما حرمت قتل الأطفال والنساء والشيوخ الذين لا يساهمون في أعمال القتال.

فلا توجه أعمال القتال إلا للمقاتل القادر على حمل السلاح أو الذين تم إعدادهم لهذا الغرض فقط؛ أما الأشخاص المدنيين الذين لم يتم إعدادهم للقتال، أو لم تؤهلهم طبيعتهم لذلك الغرض لضعفهم، أو لم يكن من المدبرين، أو المخططين فإنهم يكونوا بمنأى عن القتال.

فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر قواد الجيوش بعدم قتل الأطفال والنساء والولدان والشيوخ فيقول: “انطلقوا باسم الله، وعلى بركة رسوله، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً ولا امرأة، ولا تغلوا وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”.

وهذا أول خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه بعد أن انهزمت قريش في بدر أمر بدفن موتاهم احتراماً للإنسان حياً أو ميتاً، كافراً أو مشركاً، وكان يأمر أول أمير للجيش في عهده وهو أسامة بن زيد فيقول له “لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأةً، ولا تقطعوا نخلًا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرةً، ولا بعيراً إلا لمأكله، وسوف تمرون على قوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.

وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر رضي الله عنه بعث جيوشاً إلى الشام فقال: ليزيد بن أبي سفيان، وكان أمير ربع من تلك الأرباع “وإنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له. وإني أوصيك بعشر: لا تقتل امرأةً، ولا صبياً، ولا كبيراً، ولا هرماً، ولا تقطف مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة، ولا بعيراً إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلًا، ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن”. فالحرب في الإسلام متسمة بالرحمة والفضيلة، فإذا تعينت الحرب، كان لا بد من الالتزام بجملة من الآداب لا بد من مراعاتها والعمل في حدودها.

فنجد أن الإسلام قد أوجب الحماية على كل المستضعفين من النساء، والولدان، والشيوخ والمسالمين، بل وأوجب عدم التفرقة بين الأطفال وأمهاتهم، وحمايتهم من القتل والفتك والتشريد.

وأنه صلى الله عليه وسلم كان يغضب أشد الغضب إذا علم أن جنده قتلوا صبياً أو طفلاً أو امرأةً، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه عنف خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما مرّ بامرأةٍ قتلها فقال النبي الكريم لبعض من معه “أدرك خالداً فقل له أن رسول الله ينهاك أن تقتل وليداً، أو امرأةً، أو عسيفاً.

ولما علم بأن جنده قتلوا طفلاً في أرض المعركة، وقف يصيح في جنده “ما بال أقوام جاوز بهم الحد حتى قتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية.

فقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدة مؤداها “ألا يقاتل غير المقاتل” بالرسالة التي أرسلها إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه والتي جاء فيها “أنه لا يصح قتل العسفاء وهم العمال الذين يزرعون الأرض ويرعون المواشي”. ولقد أكد هذا المعنى أيضاً الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعزله لخالد بن الوليد عندما رأى كثرة قتلاه من جيش الأعداء، وولى مكانه أبا عبيدة بن الجراح ثم قال “إن سيف خالداً لرهقاً.

*ثانياً : الحماية المقررة للنساء والأطفال والشيوخ في القانون الدولي*

*1- الحماية القانونية للنساء في القانون الدولي:*

يراد بلفظ المرأة “كل شخص جنسه أنثى ولا يعتبر طفلاً، والذي بلغ سنا معينة”. يعتبر هذا التعريف شبه تام للمرأة باستثناء المشاكل المتعلقة بالسن حين لا توجد أية معايير معترف بها دولياً وعالمياً للتمييز بين امرأة وطفلة، رغم أن سن البلوغ قد يشكل دليلاً ومعياراً مهماً للتعريف بين المفهومين.

حتى القوانين الوطنية للدولة الواحدة فقد تختلف حول مفهوم المرأة، وعبر مختلف العصور لعبت النساء بمختلف أعمارهن دوراً رائداً في تاريخ الإنسانية، فمنهن من شهد لهن التاريخ بالمواقف البطولية وبالتضحيات الجسام من أجل أوطانهن وشعوبهن، ومنهن من تطوعن طوال حياتهن لتقديم العون والدعم الإنساني لضحايا الحروب غير مباليات بالمخاطر المحيطة بهن.

ومنهن من انخرطت في الجندية وحملن السلاح ودافعن وهاجمن العدو إلى جانب الرجال، إلى أن سقطت في ساحة المعارك، ومنهن من يعاني في مخيمات اللاجئين من أجل حماية أبنائهن وذويهن، ومنهن من يقاسي مرارة العيش في معتقلات الأعداء، فيتعرضن للتعذيب والتنكيل والاغتصاب والعنف بمختلف أشكاله.

والمرأة هي أكثر الأشخاص المدنيين تعرضاً للمخاطر والتعسفات أثناء النزاعات المسلحة على الإطلاق، فهي الضحية المفضلة لدى الجنود والمقاتلين الأعداء بدون منازع، وهي الشخص المدني الأعزل الأسهل استغلالاً بحكم تكوينها الجسماني الهش وبحكم مكانتها الخاصة والضعيفة في المجتمع لذلك تضافرت جهود المجتمع الدولي لوضع مجموعة من القواعد القانونية الدولية لحماية المرأة من آثار العمليات العدائية.

*2- الحماية القانونية للأطفال:*

لم تأت الحماية الخاصة التي أقرتها الاتفاقيات الدولية إضافة إلى ما تقوم به اللجنة الدولية للصليب الأحمر، رغبة في إيجاد فئة جديدة من الضحايا، لكن احتياجات الطفل المختلفة تماماً عن تلك المتطلبة للنساء أو الشيوخ هي من فرضت وجود هذه الحماية طبعاً لما قد تخلفه معايشة النزاعات المسلحة وخاصة غير الدولية منها من أثر بالغ على مخيلة الطفل وجسده إن لم تؤثر على مستقبل حياته طبعاً. ويعتبر الطفل طبقاً للمادة الأولى من اتفاقية 1989: “كل إنسان لا يتجاوز عمره 18 سنة، إلا إذا بلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب قانون بلده”.

بدأ الاهتمام بالطفل تقريباً إثر الحرب العالمية الأولى، وذلك عندما تبنت عصبة الأمم أن ذاك ما أطلق عليه باسم “إعلان جينيف”، والذي يكفل للأطفال رعاية خاصة بغض النظر عن أجناسهم وجنسياتهم”، غير أنه لم يعترف بالطفل كجزء من المدنيين إلا مع اتفاقية جينيف لعام 1949، رغم أن اتفاقية جنيف الرابعة لم تنص صراحة على هذه الحماية، حيث كان من الواجب انتظار البروتوكولين الإضافيين المكملين لعام 1977 ليتم تجاوز هذه النقطة، حيث نصت المادة 77 من البروتوكول الأول في فقرتها الأولى: وكذلك حسب اتفاقية جنيف: 1949 و: 1977 (المادة 37 من الفقرة الثانية).

*3- الحماية القانونية للشيوخ والمسنين:*

عند الحديث عن الشيوخ والمسنين يقصد بهم الأشخاص الذين يبلغون من العمر 65 سنة فما فوق ولكن لم يحدد المؤتمر الدبلوماسي لسنة 1949 أي سنة معينة لتمييز هذه الطائفة، وترك ذلك لممارسات الدول (65 سنة معقولاً عادة سن التقاعد في عدد من الدول). فقد كانت أول محاولة لوضع مشروع إعلان حول حقوق الأشخاص المسنين سنة 1948 بمبادرة من الأرجنتين وقد تم عرض المشروع على الجمعية العامة في نفس السنة، لكن هذه الجهود لم تتوج إلا في سنة 1982 بانعقاد مؤتمر دولي حول موضوع “حماية حقوق وحريات الأشخاص المسنين”، وخلال السنة نظمت الأمم المتحدة في فيينا “الجمعية العالمية حول الشيخوخة”، التي قامت بإعداد برنامج عمل دولي حول الأشخاص المسنين يتكون من 62 توصية تكفل ضمان جميع الحقوق لهم في حالة النزاع المسلح، (سكنى، بيئة، صحة، الأمن الاجتماعي…). وقد كرس القانون الدولي حماية الشيوخ والمسنين من آثار القتال ومن تعسفات السلطة العسكرية والمدنية باعتبارهم أشخاصاً مدنيين لا يشاركون في العمليات العدائية (نقطة مهمة)، كما خصصت لهم الاتفاقية الرابعة لسنة 1949 حماية خاصة باعتبارهم يشكلون طائفة من المدنيين الأكثر هشاشة وضعفاً في المجتمع.

*الخلاصة:*

تُمثل قواعد القانون الدولي الإنساني الحد الأدنى الإلزامي للحماية الذي يتعين على الدول ضمانه لجميع الأطراف المتأثرة بالعمليات العدائية. وتأتي المعاملة التفضيلية للفئات الأكثر ضعفاً، كالنساء والأطفال وكبار السن، كاعتراف بإنسانيتهم وتخفيفاً للمعاناة عن كاهل من لم يكن لهم يد في إشعال نيران الصراع، بينما يقع على عاتقهم عبء بناء مستقبل ما بعد الحرب. كما تشكل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ركيزة أساسية لدعم وتعزيز هذه الحماية.
ولمواجهة القصور في تطبيق هذه المعايير دولياً، يُصبح تطوير آليات رقابية محايدة ومستقلة، وتعزيز دور منظمات الإغاثة الإنسانية كالصليب الأحمر والهلال الأحمر، أمراً محورياً. كما أن نشر الوعي بهذه القواعد بين الجمهور يخلق ضغطاً أخلاقياً وقانونياً يدعم المطالبة باحترامها، ويسد الثغرات في حالات التماطل في التنفيذ.

*وعليه يمكن أن نتوصل إلى النتائج التالية:*

*1. سبق تشريعي:*
تميزت الشريعة الإسلامية بكونها أول من أرسى قواعد حماية المستضعفين من النساء والأطفال والشيوخ وغير المقاتلين، مؤكدةً على هذه المكانة عبر نصوص شرعية ثابتة.
*2. حماية قانونية مكرسة:*
أولى القانون الدولي الإنساني فئة المسنين عناية خاصة، فجسدت الاتفاقية الرابعة لجنيف (1949) هذا الاهتمام باعتبارهم من الفئات المدنية الأكثر هشاشة والتي تستحق حماية معززة.

*3. فجوة بين التنظير والتطبيق:*
على الرغم من الإطار القانوني الدولي الواسع، إلا أن التطبيق الفعلي لمواد الحماية على أرض الواقع لا يزال يشهد قصوراً ملحوظاً.
*4. حصانة المدنيين :*
تُعتبر حياة المدنيين وحريتهم وسلامتهم البدنية خطاً أحمر يحظر تجاوزه، ويشمل ذلك الحظر المطلق للقتل العشوائي والتعذيب وأخذ الرهائن، أو محاكمتهم دون ضمانات المحاكمة العادلة.
*5. تكاملية الحماية :*
يُشكل قانون حقوق الإنسان دعامة قوية تُكمل أحكام القانون الدولي الإنساني، مما يعزز شبكة الحماية القانونية الموفرة لضحايا النزاعات المسلحة.
*6. مساواة في الحقوق:*
كفلت المواثيق الدولية حقوق الفئات الهشة (كالشيوخ والنساء والأطفال)، مساوياً إياهم بغيرهم من البشر في التمتع بالحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى