بر الوالدين.. سُلّم السعادة الذي لا يُهدم

بر الوالدين.. سُلّم السعادة الذي لا يُهدم
بقلم/ عبد الله أحمد محمد دفع الله
في زحام الحياة، وكثرة الانشغالات، وبينما يفتش الجميع بحثاً عن مفاتيح النجاح في بطون الكتب أو أروقة الدورات التدريبية، يغفل الكثيرون عن كنزٍ تحت أقدامهم. هل تأملت يوماً وجوه أولئك الذين تبتسم لهم الحياة رغم ضيقها؟ هل سألت عن سر السكينة التي تحيط بهم كدرعٍ يحميهم من الانكسار؟ إنها ليست صدفة، بل هو قانون النور الذي لا يخيب: إنه بر الوالدين.
*فلسفة الانكسار الراقي:*
يُروى عن إمام التابعين الحسن البصري أن وجهه كان يفيض ضياءً، حتى قيل له: لولا أن القمر بدرٌ، لقلنا إن هذا الضياء من وجهك!، فأجاب بيقين العارف: لقد كنتُ قبل قليل أُمرّغ وجهي بقدمي أمي.
في منطق الدنيا، التذلل ضعف، لكن في محراب البر، يصبح التذلل أسمى درجات الرقي الإنساني. لقد قرن الخالق عبادته بالإحسان إليهما في آيةٍ هزت أركان الوجدان:{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء:24:23). هنا، يصبح الذل جناحاً يرفعك إلى سماء القبول، فكلما انحنيتَ لهما خضوعاً وحبّاً، رفعك الله كرامةً وعزاً.
*مدرسة النبوة.. الأم أولاً وثانياً وثالثاً*
ولأن هذا الطريق هو طريق النجاة، فقد وضعت لنا السنة النبوية خارطة الطريق في أعدل ميزان للوفاء؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ (رواه البخاري ومسلم).
هذا التأكيد الثلاثي لم يكن مجرد ترتيب مراتب، بل هو إعلانٌ سماوي بأن الرضا يسكن حيث تسكن الأم، وأن مفتاح التوفيق معقودٌ بطاعتها والإحسان إليها، ثم بر الأب الذي هو وسيلة العز وسند الحياة.
*قصصٌ تحكي نبض الوفاء:*
البر ليس تنظيراً، بل هو مواقف تُصاغ بمداد القلب. قصة ذلك الشاب الذي ترك بريق العمل في الغربة ليعود لخدمة أمه المريضة، وحين لامه الأصدقاء على ضياع مستقبله، كان مؤمناً بأن مستقبله الحقيقي ليس في الأرقام، بل في ابتسامة رضا تسكن ثغرهما.
وفي قصة أخرى نرى العجب في ذاك الذي كان يخدم والده الذي غيّب الزهايمرُ ذاكرته، وحين يُسأل: لماذا تتعب وهو لا يعرفك؟ يجيب بعبارة تفيض دمعاً: هو نسي من أكون.. لكني لم أنسَ من يكون. هذا هو البر في أبهى تجلياته؛ أن تعطي دون انتظار مقابل، وأن تحب الروح التي منحتك الوجود حتى وهي في أضعف حالاتها.
*البر.. المعجزة المُعجَّلة في الدنيا*
من عجائب هذا الباب أن جزاءه لا يتأخر للآخرة فحسب، بل هو قرضٌ حسن تسترده في الدنيا توفيقاً وبركة. هل سألت نفسك يوماً كيف ينجو البعض من الأزمات بأعجوبة؟ ابحث في تفاصيل حياتهم، ستجد: دعوة أم في سجدة سحر اهتزت لها أبواب السماء. أو رضا أب قيل في لحظة صدق فتحت مغاليق الرزق. سكينة داخلية وسط ضجيج القلق، لأن دعاء الوالدين حصنٌ حصين.
*حتى بعد الرحيل.. البر لا يُدفن!*
يا صديقي، إن كان والداك معك، فأدرك الجنة الآن؛ بكلمة طيبة، بلمسة حانية، أو حتى بصمتٍ محب. أما إن حال بينك وبينهما التراب، فاعلم أن البر لا يموت بموت الجسد. إن دعاءك الذي يبلل شفتيك، وصدقتك التي تخرجها باسمهما، وصلتك لرحمٍ لا تُوصل إلا بهما؛ هي رسائل حب تصل إلى قبورهم فتنقلب نوراً وريحاناً.
*همسة أخيرة من القلب*
بر الوالدين ليس عبئاً نؤديه، بل هو النور الذي لا ينطفئ والسلم الذي نصعد به نحو حياةٍ مباركة. وهو الحصن الذي يحميك من عثرات الزمان. تذكر دائماً: ربما لا تستطيع إصلاح كل انكسارات حياتك، فابدأ بجبر خواطر والديك، وستجد أن الله قد أصلح لك كل شيء دون أن تشعر. {رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}… اجعلها وردك الدائم ونبض قلبك: وراقب كيف ستتغير حياتك.
*ختاماً:*
كن ابناً باراً، لتكن لك ذرية بارة، فالحياة سلفٌ ودين، وما تزرعه اليوم في قدم أمك أو جبين أبيك، ستحصده غداً في ملامح أبنائك وتوفيق أيامك. قَبِّل قَدم أُمَّك وبه تبرك بِر والديك لكي إبنك يبرك.



