راي

الجالية السودانية بمكة المكرمة.. بين صراع المواقع وغياب الخدمة

الجالية السودانية بمكة المكرمة.. بين صراع المواقع وغياب الخدمة

 *عصام دقداق*

لفترة طويلة كنت أتابع من بعيد نشاط الجالية السودانية بمنطقة مكة المكرمة وروابطها وجمعياتها ومختلف روافد العمل العام. كنت أرى في هذه الأجسام فرصة حقيقية لخدمة السودانيين، وحمل قضاياهم، والدفاع عن حقوقهم، وتقديم ما يمكن أن يعينهم في حياتهم اليومية.
لكن عندما اقتربت من هذا المشهد وشاركت فيه، وجدت واقعاً مختلفاً عما كنت أتوقع.
وجدت خلافات عميقة، واستقطاباً، ولوبيات وشلليات، وصراعاً على المواقع، وكأن قيادة الروابط والجمعيات أصبحت غاية في ذاتها، لا وسيلة لخدمة الناس.
والموقع في العمل الطوعي ليس ملكاً لأحد، ولا ينبغي أن يتحول إلى ما يشبه المنصب السياسي الذي يتمسك به صاحبه بكل الوسائل. فالرابطة والجمعية والجالية وجدت لخدمة المغترب، لا لتكريس نفوذ الأشخاص.
وهذا النقد لا يعني بأي حال أن الجالية السودانية بمنطقة مكة المكرمة لم تكن لها خلال السنوات الماضية إنجازات أو خدمات قدمتها لأبناء الجالية. على العكس، هناك أدوار وخدمات ومبادرات قامت بها الجالية وروابطها وجمعياتها، كما أن لها أدواراً وطنية ومجتمعية تستحق التقدير، ولا ينبغي أن يمحوها نقد الحاضر.
بل إن للجالية تاريخاً عريقاً، ارتبط بتأسيس العمل المجتمعي السوداني في المنطقة على أيدي أجدادنا السابقين، الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا الكيان وأسسوا تقاليد في خدمة السودانيين والتواصل بينهم وتمثيل قضاياهم.
لكن المؤلم أن كثيراً من ذلك الدور أخذ في التراجع، بل إن بعضه كاد يتلاشى في السنوات الأخيرة، نتيجة الخلافات المستمرة والاستقطابات التي أصبحت تطغى على المشهد. فحتى عندما تكون هناك إنجازات أو مواقف وطنية ومجتمعية، فإن الصراعات الداخلية كثيراً ما تغطي عليها وتحجبها عن المواطن.
نعم، هناك أدوار وطنية قدمتها الجالية، وهناك مواقف ومبادرات تستحق الإشادة، لكن السؤال هو: هل تتناسب هذه الأدوار مع حجم الالتزامات والقضايا التي يحملها المغترب السوداني في منطقة مكة المكرمة؟
وهنا تبدو الفجوة واضحة.
فالأكثر إثارة للانتباه هو أن جزءاً كبيراً من نشاط بعض هذه الأجسام أصبح يدور حول الاحتفالات والتكريمات والبرامج الفنية. أغانٍ، وفنانون، وشهادات تكريم، وصالات ممتلئة، وكاميرات، وصفوف أمامية، ثم ينتهي كل شيء وينفض الجمع.
لا مشكلة في النشاط الثقافي أو الاجتماعي، ولا في تكريم من يستحق التكريم. لكن المشكلة حين يصبح الاحتفال بديلاً عن العمل.
ماذا بعد الصورة؟
ماذا تغير في حياة المغترب السوداني؟ ما القضية التي تمت متابعتها؟ ما المشكلة التي حُلّت؟ وما الملف الذي وصل إلى الجهات المختصة؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تقيس بها الجالية نجاحها، لا عدد المناسبات التي أقامتها.
فالسوداني في منطقة مكة المكرمة يحتاج إلى من يقف معه في مشكلاته، ويساعده في قضاياه، ويرفع صوته إلى الجهات المعنية، ويرعى الحالات الإنسانية، ويدعم الأسر المحتاجة والطلاب، ويقدم الإرشاد والمساندة، لا إلى المزيد من المناسبات التي تنتهي بانتهاء التصفيق.
والمؤسف أن بعض هذه الفعاليات تحولت إلى مساحة للظهور أكثر من كونها مساحة للعمل. الصفوف الأمامية، العمائم، العصي، الكاميرات والشاشات؛ مشهد يوحي بأننا أمام قيادات، لكن القيادة الحقيقية لا تثبتها الصورة.
القيادة تثبتها الخدمة.
والأمر لا يقف عند حدود الاحتفالات، بل يتكرر في صورة أخرى: التنافس بين الروابط والجمعيات والنوافذ المختلفة داخل الجالية السودانية بمنطقة مكة المكرمة جسم يقيم برنامجاً، وآخر يرد ببرنامج، وتكريم يقابله تكريم، وحضور إعلامي يقابله حضور آخر، حتى أصبح التنافس أحياناً على الظهور، لا على الإنجاز.
لماذا لا يكون التنافس في عدد الأسر التي تمت مساعدتها؟
لماذا لا يكون في عدد قضايا المغتربين التي تمت متابعتها؟
لماذا لا يكون في المبادرات التي حلت مشكلة حقيقية؟
فهناك آلاف السودانيين في منطقة مكة المكرمة، ولديهم قضايا وهموم يومية. ومع ذلك، قد تجد سودانيين لا يعرفون ماذا قدمت لهم الجالية، أو لا يتذكرون خدمة ملموسة استفادوا منها.
وهنا تكمن المشكلة: أن يكون للجالية وجود ككيان، دون أن يكون لها حضور حقيقي في حياة المواطن.
الجالية لا تحتاج إلى مزيد من الصراع على المواقع، ولا إلى منافسة في عدد الاحتفالات، ولا إلى صور أكثر أمام الكاميرات.
هي تحتاج إلى قيادة تجمع ولا تفرق، تعمل ولا تستعرض، وتضع المواطن قبل الموقع.
فالعمل العام ليس تشريفاً، والرابطة ليست ملكاً لرئيسها، والجمعية ليست ساحة نفوذ، والجالية ليست مقعداً يتقاتل عليه المتنافسون.
إنها مسؤولية.
وفي تقديري، فإن الجالية السودانية بمنطقة مكة المكرمة بحاجة إلى مراجعة صريحة لمسار العمل العام: أن تنتقل من صراع المواقع إلى خدمة الناس، ومن كثرة الاحتفالات إلى المبادرات، ومن الظهور إلى الإنجاز، وأن تستعيد شيئاً من الدور الذي عُرفت به منذ تأسيسها.
فالتاريخ وحده لا يكفي، والإنجازات الماضية لا ينبغي أن تكون مبرراً للتوقف، كما أن الخلافات الحالية لا ينبغي أن تلغي ما قدمته أجيال سابقة.
المطلوب اليوم ليس هدم ما بُني، ولا إنكار جهود من سبقوا، وإنما إعادة الاعتبار لفكرة الجالية نفسها: كياناً لخدمة السودانيين، لا ساحة للصراع بينهم.
فقد آن الأوان لأن تنتقل المنافسة من سؤال: من يجلس في الصف الأول؟ إلى سؤال أهم: من يقف في الصف الأول عندما يحتاج المواطن إلى من يسانده؟
ومن الاحتفال بالإنجاز إلى صناعة الإنجاز، ومن البحث عن الصورة إلى البحث عن الأثر، ومن التمسك بالموقع إلى الاستعداد لخدمة الناس حتى ولو كان ذلك بعيداً عن الأضواء.
فالجالية التي أسسها الأجداد لم تكن مجرد اسم أو مقعد أو مناسبة؛ كانت فكرة تقوم على التكافل والوقوف مع الإنسان السوداني. وإذا كانت الخلافات قد غطت في السنوات الأخيرة على جزء من هذا الإرث، فإن استعادته لا تبدأ بتغيير الشعارات، وإنما بتغيير الأولويات.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن السوداني إلى أن يرى قياداته أكثر، بقدر ما يحتاج أن يشعر بخدمتهم أكثر.
وعندما تنطفئ الكاميرات، وتنتهي الأغاني، وتُطوى شهادات التكريم، وتغادر الجماهير القاعات، يبقى السؤال الذي لا يمكن أن تجيب عنه الصور:
ماذا قدمنا للمغترب السوداني عندما احتاج إلينا؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للعمل العام، وذلك هو المعيار الذي سيبقى في ذاكرة الناس، أما المواقع فتتغير، والوجوه تتبدل، والمناسبات تنتهي، لكن أثر الخدمة الصادقة يبقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى