(ترعة الكرامة).. مشروع وطني عملاق ضد الخطر المائي..الحلقة (2)

(ترعة الكرامة).. مشروع وطني عملاق ضد الخطر المائي..الحلقة (2)
كتب /مبارك محمد آدم (مستشار قانوني)
——————————-
لا يمكن اليوم النظر إلى التهديد المائي الذي يواجه السودان كقضية فنية أو نزاع تقليدي حول الحصص. لقد تحول الأمر، للأسف، إلى خطر استراتيجي وجودي، تلوح في أفقه أطماع دولية تسعى لاستغلال الظروف الإقليمية لفرض سيطرتها. وفي هذا السياق، لم تعد ترعة الكرامة مجرد مشروع اقتصادي، بل هي خط الدفاع الأول ضد ما يمكن تسميته بـ “الحرب الهيدروبونية” القادمة.
الخطر القاتل: تدفق يفوق قدرة التحمل
إن حجم الخطر الذي نواجهه يفرض علينا التوقف عند أرقام التدفق المائي من سد النهضة. إذا كان التدفق الطبيعي في أقصى حالاته يصل إلى حوالي
300 مليون متر مكعب/ساعة
، فإن ما شهدناه مؤخرًا، والذي بلغ
750 مليون متر مكعب/ساعة
من خلال أربعة أبواب فقط، هو لفت نظر مؤلم. هذا التدفق الأخير أحدث خرابًا واسعًا وخسائر في الممتلكات تجاوزت قدرتنا على التحمل.
السؤال الذي يجب أن يشغل الجميع: ماذا لو استخدم هذا السد كسلاح استراتيجي ضد الشعب السوداني؟
بحسابات بسيطة، فإن مستوى الخطر القاتل يبدأ عندما يبلغ التدفق حوالي مليار متر مكعب. عند هذا الحد، تتحول الكتلة المائية الهائلة إلى قوة دمار هائلة، حيث ترتبط قوة التدفق بشكل مباشر بحجم الكتلة المائية، وهنا تبدأ الفيضانات الجارفة التي تصل إلى مرحلة الدمار الشامل.
نتوقع، بناءً على هذا التصعيد المائي، أن تزيد قوة التدفق القادمة لتتجاوز مليار متر مكعب في الساعة، لتصبح هذه القدرة التدميرية بمثابة قنبلة نووية مائية. وعندها، لن تصمد سدودنا الحالية – سد الروصيرص و سد سنار – سوى سويعات قليلة أمام هذا الانفجار المائي المدمر.
المبادرة الشعبية: لا انتظار للدولة المثخنة بالجراح
لا يمكننا الانتظار حتى تفيق الحكومة، التي هي اليوم مثخنة بجراح الحرب، أو نعتمد على جهودها وحدها. لقد أثبت الشعب السوداني دوره المحوري والتاريخي في حرب الكرامة بتقديم التضحيات الكبيرة. وعليه، يجب أن يتحول مشروع ترعة الكرامة إلى مبادرة شعبية عاجلة تبدأ منذ الأمس.
إذا تمكنت من مجابهة خطر الحرب، فإن هذا الخطر الداهم لن يمهلك ولن يتيح لك فرصة للهرب أو أن تظل لاجئًا أبديًا. ولا نعتقد أن أهل السودان يتقبلون مسألة اللجوء، فحتى عندما خرجوا من السودان لم يدخلوا معسكرات اللاجئين إلا قلة قليلة.
ندعو إلى الاستنفار الشعبي على مستويين:
الدعم المالي: جمع التمويل اللازم لبدء المراحل الفورية للمشروع.
الجهد والعرق: تحشيد الجهود الشعبية في العمل الميداني والخبراتي.
يجب أن نسارع في إنشاء جسم شعبي يتولى قيادة هذا المشروع الحيوي، دون انتظار بيروقراطية الدولة.
البُعد الاقتصادي: تحويل التهديد إلى فرصة استثمارية عالمية
الأهم من ذلك، يجب أن تكون هذه المشاركة الشعبية ذات مردود اقتصادي مباشر للمساهمين. هذا المشروع لا يقتصر على الإنقاذ من الفيضان؛ بل هو بوابة لأكبر مشروع مروي في البلاد، يتفوق على مشروع الجزيرة في القيمة المضافة:
1. الإضافة الزراعية: الفشقة حزام حبوب العالم
الهدف الأساسي لـ ترعة الكرامة هو إقامة مشروع الفشقة الزراعي المروي. هذا المشروع سيتحول ليصبح أكبر مشروع لإنتاج الحبوب والأعلاف في العالم ضمن حزام الحبوب السوداني. إن تحويل الفشقة إلى سلة غذاء عالمية هو هدف رفع السماء بلا عمد، كله ممكن… نحتاج الإرادة فقط.
2. الإضافة السمكية: تصدير ملايين الأطنان
هذا المشروع يفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد الأزرق:
أكبر مزرعة سمكية: يمكن تصميم القناة لتكون أكبر مزرعة سمكية متكاملة، تنتج ملايين الأطنان من الأسماك.
تنوع الإنتاج: البيئة المائية للقناة ملائمة لتربية أسماك البلطي و أسماك العجل (أفضل أنواع الأسماك البحرية القابلة للتأقلم)، بالإضافة إلى تبني تقنيات حديثة مثل تربية أسماك السالمون، وهو ما يحقق اليوم أرقاماً قياسية عالمية.
إدارة آلية ومستدامة: تُدار هذه المزارع بأحدث تقنيات الأتمتة الكاملة.
تقسيم القيمة المضافة: تُقسم مساحات القناة على شكل مزارع شبيهة بالمزارع البحرية العائمة، تُخصص للمساهمين لتكون مصدر دخل مستدام.



