الغربة.. حينما تتحول البيوت إلى ذكريات

الغربة.. حينما تتحول البيوت إلى ذكريات
بقلم: مزمل عجب
الغربة ليست مجرد بُعدٍ عن الوطن، بل شعورٌ بأنك خارج كل ما كان يومًا مألوفًا لك.
هي أن تتحول البيوت إلى صورٍ في الذاكرة، لا يمكنك لمسها مهما اشتدّ الحنين.
وفي كل مساءٍ، تكتشف أن المسافة الحقيقية ليست في المكان، بل في القلب.
لم تكن الغربة وقتئذٍ خيارًا لكثيرٍ منا، هكذا فرضت نفسها بحلوها ومرّها، بيد أنها لم تكن تحت ضغطٍ وإكراهٍ ووطأةِ سلاح.
اختلف المشهد، وانقلب الحال رأسًا على عقب بين ليلةٍ وضحاها، ليجد الملايين أنفسهم بعيدين عن بيوتهم ومدنهم وقراهم، وقد فقدوا أعزَّ ما يملكون: النفس، والمال، والمأوى.
تشتتوا، وتشردوا، وهُجِّروا؛ حالٌ يُغني عن السؤال.
هي الصورة، بل أفظع وأمرّ، ولا مُشتكى إلا إليه.
«نقود قلوبًا أنهكتها الغربة»
عبارةٌ مؤثرة عبّر بها أحد العائدين من دول الجوار؛ عبارةٌ عميقة تختزل الآهات والآلام ومراراتٍ لا يزال يعيشها أهلي وبنو وطني بعيدًا عن الديار.
يعيشونها، وكثيرٌ منهم بلا عملٍ أو مأوى أو لقمةِ عيشٍ كريمة، ناهيك عن التعليم وغيره.
هذا حالهم من متابعةٍ ورصد، والتي نأمل أن تستقر قريبًا في رحاب ديارٍ أضحت ذكرياتٍ تُحكى.
إن قيمة الوطن، وعظمة ترابه وأهله، لم تتبين لنا إلا مع نشوب هذه الحرب اللعينة وتداعياتها التي لا تخفى على أحد.
«وطني ولا ملء بطني»
عبارة، أو «حَجْوَة» إن صح التعبير، كثيرًا ما كنا نسمعها من كبارنا ونحن صغار، فحقًا ليس كالوطن أو ترابه شيء، مهما بلغت الأحوال من مالٍ ورفاهيةٍ ورغدِ عيش.
هو الوطن لا سواه؛ هي الديار، وهم الأحباب والجيران والأقران.
قلوبٌ أنهكتها الغربة ستعود إلى حضنه آمنةً مطمئنة، رغم كيد العدو ومن لفّ لفَّه.
ستعود يا سودان قويًا شامخًا كما كنت، ولن تتزحزح مكانتك في قلوبنا قيد أنملة.
عافاك الله وحفظك، نعم المولى ونعم النصير.
دمتم.



