جعفر حسن حينما يصبح الصوت أعلى من العقل

جعفر حسن حينما يصبح الصوت أعلى من العقل
كتب/ عصام دقداق
منذ اندلاع ثورة ديسمبر امتلأت المنصات بخطاب جميل حد الخداع حديث عن الحرية والعدالة والسلام وعن سودان جديد يولد من رحم المعاناة يومها صدق الشاب السوداني أن الفجر قريب وأن تلك الحناجر في قوى الحرية والتغيير تحمل مشروع وطن لا مشروع سلطة لكن ما حدث لاحقا لم يكن تعثرا عاديا بل كان انكشافا كاملا وسقوطا مدويا في أول اختبار حقيقي
مع معركة الكرامة لم تتعقد الصورة بل توضحت إلى حد الصدمة صمت مطبق تجاه جرائم تهز الضمير يقابله نشاط هستيري في إدانة القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها وكأن المعادلة انقلبت فجأة فأصبح المعتدي ضحية وأصبح المدافع متهما
تطهير عرقي تهجير قسري اغتصاب نهب منظم هذه ليست روايات بل حقائق اعترف بها المجتمع المدني ووثقتها المنظمات الأممية والدولية وتناولتها الصحافة الاستقصائية وتداولها مجلس الأمن والدول الكبرى ومع ذلك يقف قيادات قحت موقف المتفرج الذي يرى ولا يريد أن يرى ويسمع ولا يريد أن يسمع لا إدانة لا موقف ولا حتى محاولة خجولة للاعتراف بالحقيقة
المفارقة المؤلمة أنهم لم يكتفوا بالصمت بل ذهبوا إلى ما هو أسوأ إدانة القوات المسلحة وتلفيق الاتهامات لها ولمن يساندها واستخدام أوصاف رخيصة تتبدل حسب الحاجة السياسية وكأن الحقيقة عدو يجب طمسه لا واقع يجب مواجهته
ثم يظهر جعفر حسن ليقدم نموذجا مكتملا لهذا الانفصال عن الواقع داعيا من يقاتلون إلى جانب القوات المسلحة إلى ترك السلاح والعودة للحياة المدنية وكأن الحرب لعبة يمكن الانسحاب منها بضغطة زر أي منطق هذا الذي يطالب من يقف مع الدولة أن يتراجع بينما لا يجرؤ على مطالبة التمرد بوضع السلاح هل تتوقف الحرب إذا انسحب من يساند الجيش أم أن المطلوب ببساطة هو إضعافه حتى يسقط
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة هل هؤلاء يعتبرون أنفسهم قيادات مستقبلية للدولة هل بهذه العقليات يريدون حكم وطن بحجم السودان وشعب السودان الواعي المثقف هل مجرد ارتداء بدلة وكرفتة والوقوف أمام كاميرا يمنحهم شرعية القيادة أم أنها أوهام سلطة صنعتها لحظة سياسية عابرة
الحقيقة التي لا يريدون سماعها أن أمثال جعفر حسن لا ينبغي أن يحلموا أصلا بأن يكونوا قياديين في سلطة أو حكومة تمثل السودان هؤلاء لا يعبرون إلا عن فراغ فكري مدهش وضحالة سياسية مكشوفة شعب السودان لا يمكن أن يقبل أن تحكمه مثل هذه العقول ولا أن يضع مستقبله في يد من يعجز عن فهم أبسط معادلات الصراع الدائر أمامه بل إن ما يزيد الصورة قتامة أن هذه العقليات لو كُتب لها أن تحكم السودان بعد الثورة واستمر حكمها حتى اليوم لربما كان الدمار الذي يصيب البلاد أكبر مما أحدثته هذه الحرب لأن من يخطئ في تقدير البديهيات لا يمكن أن يحسن إدارة الأزمات الكبرى
الأكثر إثارة للسخرية أن هؤلاء لا يختفون ولا يتوارون كما يقتضي الحد الأدنى من الحياء بل يصرون على الظهور اليومي عبر الفيديوهات والتصريحات وكأنهم يقدمون دروسا في الوطنية بينما هم في الحقيقة يقدمون دليلا متجددا على ارتباكهم وعجزهم عن قراءة الواقع و ادارتهم كا ابواق من الخارج مدفوع الاجر و الأجدر لهم أن يتواروا خجلا وأن يلتزموا الصمت حتى تتضح معالم المشهد السياسي والعسكري حفاظا على ما تبقى من رصيدهم إن بقي شيء لكنهم اختاروا الطريق المعاكس مزيدا من الضجيج مزيدا من التناقض ومزيدا من كشف الذات
بل إن استمرارهم في هذا النهج لا يفعل شيئا سوى إعادة ذاكرة الشعب السوداني إلى الوراء يوما بعد يوم ليكتشف حجم الخداع الذي تعرض له في لحظة الثورة وليدرك أن من رفعوا الشعارات لم يكونوا على مستوى المسؤولية وأن من عجز عن إدارة موقف لا يمكن أن يدير دولة ولا حتى مؤسسة صغيرة
هؤلاء لا مكان لهم في قيادة ولا في قرار ولا حتى في واجهة المشهد السياسي مكانهم الطبيعي خارج دائرة التأثير مجرد متفرجين على ما يجري لا أكثر لأن من يفشل في فهم معنى الدولة لا يمكن أن يكون جزءا منها
في النهاية لم يعد المشهد يحتاج إلى تحليل معقد بل إلى شجاعة في الاعتراف بالحقيقة المشكلة ليست في الحرب بل في أن نتائجها لم تأت كما أراد البعض ولذلك يستمر هذا الضجيج العبثي وحتى تنجلي المعركة وتتضح الصورة سيبقى السؤال قائما من يحترم هذا الوطن ومن يعبث به. أحذرك عزيزي القاري لاتبحث عن حديث جعفر حسن حتى لا يصيبك طمام . حاجة غريبة حاجة عجيبة



